البحث العلمي: بين الاختيار والإجبار

30

لما كانت التربية والتعليم مقياسا لازدهار الأمم والحضارات أو انحطاطها، ولما كان البحث العلمي رافدا من روافد الدفع بعجلة العملية التعليمية التعلمية نحو حدودها القصوى؛ لحل الإشكالات المنهجية الكبرى والاختلالات التي تتخبط فيها المنظومة التربوية بمختلف مكوناتها وأقطابها، في خضم هذه المقدمات تأتي فكرة هذا المقال لتكشف الستار عن قضية نزعم أنها ترقى إلى درجة “الإشكالية” في البحث العلمي، ألا وهي مسألة الاختيار في عملية التعلم عموما وبخاصة أثناء الانخراط في المشاريع العلمية والبحوث والرسائل والأطاريح الجامعية.

ذلكم أن في إجبار الطالب على الانخراط في عمل لا يميل إليه ولا يستطيع أن يبذل فيه جهدا إما لكونه يفوق طاقاته وقدراته الذهنية أو لا يتناسب ومرحلة الطلب التي هو بصددها، إقصاء لحريته ومركزيته في بناء مشروعه الشخصي الذي يخضع لمتغيرات الميولات والمهارات ونوعية الذكاءات. التي لا تتنافى مع مبادئ العقلنة والموضوعية والتجرد من الأهواء.

إن مبدأ الحرية في التعلم ليعزز الجوانب النفسية والاجتماعية لدى الطالب، تعزيزا وتقوية يقتدر بهما على الإنتاج العلمي الرصين المنضبط لقواعد البحث ويتجاوز بذلك الاستهلاك والتكرار الهادفين إلى سرعة الإنجاز والتخلص من المسؤولية العلمية نتيجة غياب ركن الدافعية باعتباره شرطا من شروط التعلم.

وفي هذا السياق تحدث أحد كبار أعلام الفكر التربوي الإسلامي الإمام برهان الدين الزرنوجي عن مفهوم حرية المتعلم، حيث تتسع عنده لتشمل حرية اختيار العلم والمعلم ثم الثبات بعد الاختيار واختيار الشريك في التعلم.

مقالات مرتبطة

أما من المعاصرين الغربيين فيذهب الفيلسوف الأمريكي جون ديوي، مؤسس طريقة المشروع إلى ضرورة تعويد المتعلمين الاعتماد على أنفسهم في حل المشكلات، ودراستها والتفكير في إيجاد الحلول لها، ما يؤدي إلى قوة شخصياتهم وتدريبهم على الحياة التعاونية والاجتماعية.

فدل استقراء هذه النصوص وغيرها على أهمية التعلم الذاتي في تقرير مبدأ حرية الاختيار، والذي لا يلغي بالمقابل الوظائف المنوطة بالمدرس في علاقته بالطالب من توجيه وتأطير وتصحيح للمسار.

إن اختيار البحث في مجال معين يبدأ بتحديد الضابط الإشكالي لكون البحث يستقي قيمته من إشكاله، والشروع في البحث دون تحديد الإشكال ضرب من العبث، وهذا ليس بالأمر الهين إذ يتطلب عمليات القراءة والبحث والاستقصاء ومدار ذلك كله على الرغبة والتشهي لموضوع البحث. فوجب بذلك أن تكون المبادرة من الطالب في اقتراح الإشكال واختيار الموضوع.

ونختم هذا المقال بالإشارة إلى ضرورة التكامل بين مكونات المدرسة في النهوض بالبحث العلمي، وتجويد قواعده ووضع الطالب في قلب العملية التعليمية التعلمية من خلال اكتشاف المواهب ودعمها وتشجيع الملكات، أخذا بعين الاعتبار حرية الاختيار.