البحث عن وطن

الوطن… كلمة تعني كل شيء، تحمل بين طياتها الكثير من المعاني، مليئة بالتفاصيل، والأسرار، والحكايات، مليئة بالحب…الوطن ليس مكانا، وليس منظمة أو قوانين، هو الإحساس بالانتماء، والأصل، والأمان، هو الذي لا هروب منه، ولا رجعة إلا إليه، هو الكيان العظيم الذي ولدت وتود أن تموت وأنت تفتخر به، وبالأثر الذي تركته فيه وتركه فيك…هو الأرض الرحبة الواسعة التي تحتضنك، هو الشوارع بأشجارها وزهورها وتفاصيلها، هو الأصدقاء، والابتسامات، والمنازل، والجامعات، والمدارس، والمساجد والكنائس، مفهوم الوطن يكون بالشعور بالانتماء له، يكون بالدفاع عنه وعن ممتلكاته في السلم قبل الحرب، هو مزيج بين حقوق وواجبات ومسؤولية متأرجحة بين عدة طبقات…مفهوم الوطن لا يشمل الجوانب المعنوية فقط، بل الجوانب المادية أيضا، لكن يبقى السؤال، إذا التفتنا إلى هذه الأخيرة، هل يبقى المعنى الرومانسي المليء بالحب للوطن على حاله، أم يتحول إلى عتاب ومحاسبة وحقد؟

الأكيد أن الوطن ليس هو الذي يدفع الشباب إلى المجازفة بأرواحهم ودفع أموال طائلة للحصول على فرصة لتخطي الحدود والهجرة خارجا، وليس هو الوطن الذي يتغاضى النظر عن المرضى الذين ينامون على أبواب المستشفيات، أو عن حملات المطالبة بمراكز للعلاج المجاني للسرطان، أو عن المواعيد الطبية التي ترمي بك إلى ما بعد التاريخ، ليس هو الذي يسعى لخوصصة التعليم مع أننا نحتل أعلى المراتب في نسب الفقر والعوز، ليس هو الذي يساهم في إنفاق أموال طائلة على “تفاهات” ويتجاهل نسبة البطالة التي تنمو بسرعة خيالية والتي يترتب عليها تفاقم نسب الجريمة والرشوة وكل الكوارث التي نشهدها يوما بعد يوم، الوطن ليس هنا.

تعبنا من الحب الذي يبدو أنه من طرف واحد، من الانتظار عسى عتابنا يجعل من وطننا رحيما بألم قلبنا عليه، هل يقدر أحد معنى العتاب حين يتفاوض مع الحب والانتماء، هل يقدر من كان سببا في هذا أننا نتألم حين نضطر لمغادرة الوطن لأننا نبحث عن الأمان؟ هل يرى أحد معاناة الذي يكره أمه لأنها تخلت عنه لكنه في نفس الوقت يتمنى أن ينال رضاها لأن لا شيء يغير أنها والدته؟

إن الوطن، والدولة، والرغبة في الهجرة، ومسؤولية الانتماء، والمواطنة والتربية عليها ليست مصطلحات بدائية نستعملها فقط في جلسات البرلمان والبرامج الاجتماعية، هي أحاسيس ومسؤوليات وآلام نواجهها حين نقف مكتوفي الأيدي أمام ما نرى ونسمع، حين تسرق الحياة من مساكين ذنبهم الوحيد قلة حيلتهم، حين نرى أن هناك من ينتظر الغد وهناك من يخاف قدومه، حين أصبحنا نخشى أن تنهال علينا ضربة سيف من حيث لا ندري في وضح النهار، حين أصبحنا نخاف من كل شيء لا يشبه واقعنا ونعتاد عليه لاحقا لأنه هو الواقع الذي فرضته الظروف، حين نعيش بين الخوف على الوطن ومنه. هنا نقول: هل نحن فعلا نحب بلدنا كوطن ونكرهه كدولة؟ أم أن العتاب نال منا ما نال وكرهنا الاثنين معا؟

لا أحد ممن هاجروا أو يفكر في الذهاب أراد هذا، لا أحد يشتهي غربة أو عنصرية، لا أحد يشتهي أن يتكاثر نسله في وطن غير وطنه أو أن يموت شوقا لأحبائه يوما بعد يوم، لكن ما يدفعهم للمغادرة أقوى من هذا، تدفعهم شهادة سهروا، وتعبوا، وقاوموا لنيلها ففوجئوا بأنها لا تمنحهم سوى الرفض والمهانة، يدفعهم خوف من الفقد، بحث عن الوجد، عن الكيان، عن مكانة اجتماعية بدل التي سحبها منهم الفقر هنا، يبحثون عن المستقبل الواعد الذي حققه من سبقهم إلى الغربة، عن الوعد الذي درسوه واكتشفوا بعده أن لا أحد سينفذه، يبحثون عن الثأر لكل لحظة كان يجب أن تكون مميزة لكنها كانت عادية، فالثأر للحقوق التي ضاعت، للظلم الذي طغى على كل القوى، يبحثون عن كل شيء، عن الوطن.