التعليم عن بعد: محنة أم منحة؟

كل جديد يولد من رحم المعاناة، وجديد اللحظة الاستثنائية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، والتي يعيشها العالم اليوم، فرضت جملة من التغيرات وكشفت النقاب عن مجموعة من التحولات. كورونا التي أغلقت أبواب المدارس، وحاصرت العالم بالفيروس القنبلة الموقوتة القابلة للانفجار في كل لحظة. على حين غرة وجد العالم نفسه أمام كابوس غيَّر مجرى الحياة، وفرض واقعا جديدا. ولأن التعليم واحد من المجالات الحساسة، كان من المفروض إيجاد بدائل والتفكير في حلول ناجعة لإنقاذ اللحظة. فطرح سؤال المرحلة الملح الذي أسال مداد المهتمين بمجال التربية والتعليم: ماذا أعددنا للتلاميذ الذين أصبحوا خارج مقاعد الدراسة؟

مع ما في اللحظة من سلبيات، إلا أنها حملت بعضا من الإيجابيات والممثلة في التعليم عن بعد (Distance Learning) الذي كان البديل والخلاص، الخيار الوحيد والأوحد الذي لا محيد عنه. فقد تتوقف عملية التدريس، لكن لا يمكن لعملية التعليم ذلك. فهل نحن مستعدون لهذا النوع من التدريس؟ وهل سبق لنا أن راكمنا تجربة من هذا القبيل؟ وما حدود إمكانياتنا في التعليم عن بعد، وقد أصبحنا اليوم على المحك؟

بعدما فرضت طبيعة المرحلة ضرورة الاستمرارية البيداغوجية واستكمال التعليم، تداول العالم التعليم عن بعد أو كما يسميه البعض التعليم الافتراضي أو الإلكتروني والذي تلقن فيه المعلومة بطريقة حديثة بوسائط تكنولوجية. وإذا كان هذا النوع من التعليم متداولا في الدول الأوروبية التي كانت جامعاتها تتعامل مع الطلاب عن طريق المراسلات البريدية، فإنه بالنسبة لنا يبقى تجربة جديدة، ستطرح حتما الكثير من التحديات والعديد من الصعوبات، ومن هنا كان تخوفنا من هذا التعليم.

لقد كان عمر التجربة حديثا في واقعنا، ولأن أي تجربة جديدة تكون مفتوحة على السلبي والإيجابي فإنها تحتاج إلى وقت لتنضج وتكتمل. لقد كثر اللغط والجدال في صفحات شبكات التواصل عن السلبي والإيجابي في عملية التعليم عن بعد، عن إنجازات هذه التجربة وفشلها في بلادنا. بين مؤيد ومعارض، وبين ’’راغب في‘‘ و ’’راغب عن‘‘.

صحيح أن كل جديد يكون في العادة مرفوضا وغير مرغوب فيه، ولذلك، وانطلاقا من تجربتنا الشخصية والخاصة في الميدان، نعترف بداية بالإنجاز الذي حققته هذه العملية. يكفي أنها مكّنتنا من إكمال المقرر في ظروف الجائحة. كما أنها أكسبت بعض التلاميذ، مع قلتهم، الرغبة ولذة التعلم الذاتي ومتعة الاستفادة وحب المعرفة. كما أن هذا النوع من التعليم زعزع المنظومة التقليدية، واستبدل سلطوية المعلم بحرية المتعلم ومشاركته وتنمية مهاراته وإبراز معارفه. لا يفوتني هنا أن أذكر الطالبة المغربية النموذج التي نجحت في أوج هذه الجائحة، عن طريق التعلم عن بعد، في إظهار تفوقها وتجاوز أكثر من ألف منافس، للفوز في ’’سباق الفضاء‘‘ برعاية وكالة الفضاء الأمريكية، إنها بكل فخر واعتزاز التلميذة: إنصاف أجعنيط.

إن الظرفية الجديدة فرضت علينا كمدرسين اكتساب مهارات جديدة، والتعرف على تقنيات التعليم عن بعد. وإذا كنا جميعا نعترف بأن الرهان أكبر حجما من الواقع الكائن، ففي هذا اعتراف بوجود عقبات ومعيقات أمام هذا النوع من التعليم في بلادنا، لأنه يتأسس على عالم افتراضي يستلزم أدوات ومهارات يفتقر إليها تلميذنا الذي ينقصه العتاد والعُدّة، ويفتقر إلى الوسائل التواصلية الإلكترونية، ولذلك حرم الكثير من التلاميذ من التعلم في هذه الفترة. أما بالنسبة لنا كمدرسين فالتجربة كانت جديدة وجهلنا بها وبأدواتها وآلياتها زاد من مخاوفنا في عدم نجاحها وجدواها.

مع عشقي للتجربة ورغبتي في اكتساب أدواتها، إلا أنني أعترف بمحنتها وصعوبتها التي تقاسمتها مع زميلاتي وزملائي في المهنة، والمتجسدة أساسا في عدم تفاعل معظم التلاميذ مع الحصة في ظل عدم إمكانيه مراقبتهم، وإجبارية حضورهم، وتفاعلهم مع الدرس. كان ذلك أكبر عائق أمام نجاح هذه التجربة وعرقلتها، في غياب التلميذ المسؤول والمنضبط؛ لأن التعليم عن بعد مشروط بالتزام التلميذ بالمتابعة والدرس، ومراقبة أولياء الأمر له كطرف أساسي في نجاح هذه التجربة. إحقاقا للحق وإنصافا للقول. ومع ما قيل ويقال عن مشاكل التعليم عن بعد في بلادنا، لا بد أن نعترف بحاجتنا إلى مثل هذه التجربة، ومثل هذه المقاربات الجديدة في مدارسنا؛ لعلها تكون بداية واقع جديد يُقحم مدرستنا المغربية في قلب التكنولوجيا، لخلق متعة التعلم ولذة المعرفة عند تلميذنا الذي تسلل إليه الإحباط حتى رغب عن الدراسة.

لعل خير ختام لمقالنا هذا، رأينا المتواضع في التعليم عن بعد، رأي مدرسة عاشت التجربة وعانقت مزاياها ورزاياها، حُلوها ومُرها. وقد يشاطرني في ذلك زملاء المهنة، فمع التحديات والصعوبات، فإن التعليم عن بعد في مثل الظرفية الحساسة كان طوق نجاة وبرّ أمان للتلميذ والأستاذ وأولياء الأمور، فالتجربة حولت المحنة إلى منحة فرُب ضارة نافعة. بوعي ومسؤولية نقول، على الجميع أن ينخرط، كل من موقعه، في إنجاح وتطوير هذا المشروع، لعله يكون قيمة مضافة لمدرستنا المغربية التي تقف اليوم على حافة الانهيار وتعيش أسوأ فتراتها، وللحديث بقية.