التغيير بين الإجبار والاختيار

كم من روح مبدعة انصهرت داخل مجتمع مليء بالنسخ والعقول التي أكل منها الدهر ما أكل.

تتبادر إلى أذهاننا أفكار إبداعية من شأنها أن تغير حياتنا وحياة من حولنا إلى الأفضل، ولكننا وبحجج واهية منافية للمنطق تماما نؤجلها إلى أجل غير مسمى، على أمل منا أن تحدث طفرةٌ تتجلى في فرصةٍ تُغير حياتنا بالكامل فننتظر وننتظر، ونُهدي بذلك أثمن ما نملك – الوقت – قربانا للدهر على أمل منا أن يتغير حالنا، فنجلس مكتوفو الأيدي في زاوية رفقة حسرتنا نتأسف على ما فاتنا، فتصبح الذكريات عدوتنا ونصبح دمًى خشبية في مسرح الوقت، يذهب بنا ويجيء على هواه، وكلما انتزعنا ورقة من التقويم تنتزع الحياة يوما من عمرنا، إلى أن ينسدل الستار.

مقالات مرتبطة

لكن، بقليل من السذاجة وكثير من المنطق نستنتج أننا نحن من نصنع فرصنا بأيدينا لنجعل حاضرنا يخدم مستقبلنا، ونحن فقط قادرون على تغيير أنفسنا، بل وأن الحياة بسيطة إلى حد التعقيد فكل ما نحتاجه هو قليل من العزيمة وأن نعيش كل يوم بإخلاص لمجمل أحداثه؛ فأمس مضى وانقضى، والغد لم يصل بعد، لذلك عش يومك واحزن على قدر حاجتك؛ لأن مخزون الحزن يبقى منعدما مهما حزنت.

نستنتج أيضا أن قطار الحياة لا يفوت كما يقال، بل كل ما عليك فعله هو أن تكون حازما وتلتزم بالموعد. فعلى متن ذلك القطار ستصادف أشخاصا سيكون لهم وقع على سيرورة الأحداث، لكن لا تسمح لهم بأن يؤثروا عليك بالقدر الذي يضلك عن هدفك، بل وُضعوا في طريقك لتخوض تجارب برفقتهم وتتعلم من أخطائك وأخطائهم، ولإدراك هذه الغاية فأنت لست مجبرا على الغوص في حياتهم بشتى تفاصيلها ولا التطبع بصفاتهم، استمع لما يهمك وتظاهر بذلك إذا ما بدأوا بالثرثرة، فما القطار إلا وسيلة مساعدة للسير نحو طريق التغيير من خلال رحلة طويلة في اكتشاف أنفسنا.

المطلوب إذا أن نكون أشخاصا مبدعين يشبهون ذواتهم بين كل تلك النسخ التي تحيط بهم، والتي قد تدفعهم للتجرد من هويتهم بحجة مسايرة الأفكار النمطية السائدة، التي من شأنها أن تخمد طاقتنا الإبداعية، فليس كل شائع على صواب وكل مختلف على خطأ، لكل اهتماماته وتوجهاته الخاصة. وكما قال د. عدنان إبراهيم: “كن استثنائياً لتخلق سائدك.”

اليوم، نملك من الوقت ما يكفينا للتفرد بأنفسنا والاختلاء بأفكارنا لتحقيق تلك المشاريع التي تركناها في وقت مضى حبيسة أذهاننا حتى كادت العناكب تتخذ منها مسكنا، هنا تظهر مقاومتنا للمماطلة ولكل وسائل الراحة المتاحة ومدى جديتنا في اتخاذ القرار. فإما أن نُقبِل على التغيير كخيار أو نَخضع لما يمليه علينا الشائع كإجبار.