الجهل القاتل

يبدو كأن إنسان القرن الواحد والعشرين مهما ادعى الرقي في المجالات والارتقاء لأعلى مستويات العلم، واستغلال هذا في تسهيل حياة المجتمع، إلا أن حلقة الوعي تظل فارغة لا تشبع ولا يكون لها وقت يفكر فيها.

في عصر السرعة والأكل المعلب، أصبح الإنسان يعتمد عليهما لكي يقوم بمهامه كيفما كانت في وقت وجيز، كأن كل شيء عليه أن يكون سريعا في الحضور وجاهزا كالأكل المعلب كي لا يتعب نفسه معه، فيتمتع به على الفور، ظنا منه أن ذلك يوفر جهده وطاقته لشيء أكبر يجهله هو الآخر ولا يعي أنه وهمي. قس على ذلك كل شيء في حياة الإنسان. فسبحان خالق هذا الكون وسنته لبني آدم، أنهم حقا بنو آدم من نفس واحدة، وإذا كانت الأقوام تقتات بقوتها وجبروتها، فنحن الآن نقتات بالعلم السريع والجاهز، والقاسم المشترك بيننا أننا نأخذ أسمى الأشياء من أخلاق وعادات وعقائد من العامة دون وعي منا أو تشغيل للعقل والبحث الفردي واستحضار القلب أيضا.

في جل آيات حوار الأنبياء وأقوامهم، نجد بينهم كلاما مشتركا به يتبرؤون من رسالتهم، بل ويجعلهم ذلك سببا لقتلهم أو نفيهم أو تعذيبهم، يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} جميع الأقوام وصلت لدرجة من القوة لأخذ قوتهم لا يسعهم أن يتقبلوا الحق لأنهم يتبعون ما سبق، أي الكلام الجاهز الذي لا يغني من شيء إن هم أحكموا عقولهم للحق دون حظ لنفوسهم. لكنهم على العكس يعرفون أن هاته نهاية لجبروتهم وبداية لنور يعم الكل دون استثناء، وأن العبد سيكون كمرتبة السيد أو أكثر شرفا، فلذلك انتفضت الأقوام على أنبيائهم ووجدوا الذرائع لحفظ ماء وجههم لأن الغلبة في الأخير لرأي القوي والجماعة أمام شخص ضعيف وقلة قليلة. لكن الشخص الضعيف في ضعفه وقلة تابعيه استطاع إحكام الحق وتحقيق النصر كما بين لنا الله عز وجل: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

مقالات مرتبطة

إن أحداث الأقوام وصفاتهم وأرواحهم، لا تزال موجودة في القرن الواحد والعشرين، وإلا فما كان القرآن -حاشا لله- أن يكون صالحا لكل زمان ومكان، ونحن القانطون في هذا القرن ننسى ذلك؛ لأنه وإن تغيرت الأسماء فالصفات واحدة، والاضطهاد بنفس الأسباب، فيمتنع الواحد من أحكام معينة لأنه وجد جماعته على غير ذلك، فيرفضها وإن كانت مطابقة للعقل قريبة للطمأنينة، ويرى بعين ناقصة أن الجماعة تغلب فيتبنى فكرها لأنها طابقت نفسه وشهواتها فتكون عنده هي الحق وما دونها باطل. إن إنسان اليوم ليحتمي بجماعته كأنها مقدسة وأن قولها هو ما يبقي على قيد الحياة، لكنه ينسى أن الجماعة التي تدافع لنفسها وغايتها من الماديات سيأتي يوم تضطر إلى التضحية بأحد أعمدتها كي تحفظ توازنها إذا اختل ومصالحها إذا اهتزت. وهنا غلبت التكنولوجيا، فمهما كان هذا المجال متطورا فلن يغني عن الإنسان شيئا، ولن يساعد في ارتقائه بما أن معاملاته وحركاته غير مقيدين بعقيدة محددة حقيقية تضع له الحجر الأساس للطريق الصحيح للرقي، فيصبح بعد ذلك لا إنسانا متعلما علم الماديات المجردة، بل يمزجها بأخلاقيات تجعل منه روحا في هيكل يسير، ويصبح لنفسه معنى وجودي يخصه في المقام الأول ثم يؤثر به على الآخرين.

الإنسان أكبر من الماديات المستهلكة السريعة السائلة، روح الإنسان لا ترضى بالشيء السريع دون طبخ على مهل وصبر وشوق لا ينتهيان، ولا يوجد لديها ساعة زمنية تشوشها، بل تترفع عن كل هذا، وتسير نحو السعي ولو بقدم واحدة، يكفي أنها فخورة بقدم واحدة صحيحة عن عجلات وهمية لا تغني شيئا. وهنا تصبح الخطوة الصغيرة التي يشقها الطفل للمشي معجزة تحققت بعد صبر ومثابرة منه وسقوط حتى أتى بذلك الهدف الذي كان ينتظره، لذلك كانت النية والسعي أكبر بكثير من النتيجة، ولذلك ينظر الله لقلوب المؤمنين لا لأعمالهم.

الأخلاق ليست علبا تشترى بثمن بخس، والإنسان الخلوق أسمى ما يكون عليه شخص لذاته ثم للمجتمع، بغض النظر عما يحمله جيبه وما تعمله يداه، إلا أن قيمته في ما يحمل في قلبه. وكذلك كان سيدنا يوسف عليه السلام، اشتراه قوم بثمن بخس ثم امتحن بأخلاقه أمام الهوى واختار سجنا يأويه وأخلاقه، ثم أصبح عزيز مصر يحكم، ثم بقلب سمح يعفو عن إخوته وظلمهم.

إننا نحتاج لأرواح تعد على مهل وصبر كبير كي ترتقي كما أرادها الله، والروح ترتوي قطرة قطرة، فإن كان ارتواؤها للحق عادلت القطرة بحرا عند الله عز وجل. وكفانا برسول الله اقتداء، يفرح بقليل الإنسان ويحث على الابتسامة الصادقة، ولا تزيد ملابس الإنسان من قيمته بل ما حمل في قلبه من همة تحيي أمة.