لماذا يتضايق الناس من الحجر الصحي؟

111

يذهب الفيلسوف والناقد سلافوي جيجك إلى أن التضايق من الحجر الصحي ليس مقتصرا، فقط، على الذين يحبون التنقلات والسفر واللقاءات والحفلات الجماعية، والذين كانوا اجتماعيين زيادة عن اللزوم، وفجأة وجدوا أنفسهم لا يستطيعون التحرك من أمام منازلهم، بل إن هذا التضايق – يضيف جيجك- منتشر حتى بين أولئك الذين كانوا يوصفون بالانعزاليين فيما قبل جائحة كورونا، الذين كانوا يُحبون المكوث في البيوت، ويعملون عن بعد فيها. والذين كانوا في حجر ذاتي قبل دخول الحجر الصحي الإلزامي حيز التنفيذ. ويعلل جيجك هذا النفور الطارئ على هؤلاء مِن شيء كان عزيزا عليهم تعليلا طريفا، وهو أن كون “المكوث في المنزل” لم يعد مقتصرا عليهم، بل “عمّت به البلوى”، ولم يعد شيئا يميزهم…ومن تم صاروا متضايقين منه. -وشأن المحب أن يميل إلى الاستبداد والاستقلال بالمحبوب-.

وقد ذكرني كلامه هذا بكلامٍ لفخر الدين الرازي في رسالته “رسالة في ذم لذات الدنيا”، حيث يذكر فيها أن مما ينبغي أن يحملَك على الزهد في هذه الملذات كونُ عوام الناس ودهمائهم يشاركونك فيها، ولعل حظهم فيها أكبر من حظك، -بل الأمر كذلك من غير شك-، في إشارة إلى أن الاشتراك في الشيء يُقبّحه، ويجعله مبتذلا، غير ذي قيمة، إن لم يكن علامة على انحطاطٍ في النفس. وقد كانت هذه حكمةً متداولة لدى العرب الأوائل، حتى قال قائلهم:

سأترُك ماءَكم من غيرِ وِرد *** وذاك لكثرة الشركاء فيه

لكن، هل التضايق من الحجر الصحي سببه تقييد الحريات فقط أو الاشتراك وعدم التميز، إذا سايرنا جيجك في أطروحته عن الانعزاليين المتضايقين من الحجر؟
أعتقد أن المشكلة، بالأحرى، تكمن في عدم قدرتنا على مواجهة الانكشاف الكامل للذات وللخطط المستقبلية، بل وللممارسات اليومية.
كثير منا كانوا يعالجون مشاكلهم بالهروب منها، والحجر الصحي ألجأهم إلى الخلوة بذواتهم، ووفر لهم وقتا أكبر للتفكير بعمق في قضايا حميمية تخصهم كــ “ذوات”، كانوا إلى عهد قريب يهربون منها بالتشاغل والتجاهل، -والتشاغل دوما هو تأجيل للمواجهة مع المشكلة، وليس حلا لها. الحجر الصحي يدفعنا إلى إعادة تقييم أمور كثيرة في حياتنا؛ وإعادة التقييم دائما مزعجة. ليس فقط لأنها تُؤشر على أن أمورا كثيرة في حياتنا ليست يقينية، بل لأنها تخدش تلك الصورة التي نسوّقها عن أنفسنا.

طبيعة الحياة المعاصرة لا تترك لنا الفرصة للتفكير الجدي في قراراتنا في الحياة؛ تنجح في إقناعنا أن أهم قرار نتخذه هو الاستمرار في الركض، حتى ونحن لا ندري: إلى أين نركض؟ قد نتوهم في البداية أننا ما لم نفعل سنظلُّ متأخرين، وسيسبقنا الآخرون. لكن سرعان ما يكتسي الركضُ قيمة ذاتية؛ ولا يعود للسؤال: لماذا؟ أية قيمة. الحجر الصحي يقول لنا: هذا الركض فارغ من أي معنى، ولا يكتسي أية قيمة تُذكر، الأمور قابلةٌ لأن تُنجز بألف طريقة أخرى، غير ما نعهد.

والمعضلة في الحجر الصحي أنه يضعك أمام انكشاف تام للمستقبل القريب. فأنت، مبدئيا، أمامك ثلاثة أشهر على الأقل ستلزم فيها بيتك، ستقوم بنفس الأشياء: تستيقظ متأخرا، تتناول وجبة فطور غالبا متكررة، تقرأ قليلا -إذا كنت تقرأ-، تساعد في أعمال منزلية روتينية، تشاهد أفلاما تجارية غير ذات قيمة، تنخرط في دردشات تافهة، تنام متأخرا، كإشراق الشمس كل صباح: لا جديد! قد تكون حياتنا في الأصل كذلك؛ روتين يومي متكرر، وأشياء تافهة تحدث من دون وعي منا. فما الذي تغير إذن؟ ربما لم يتغير شيء. الوضع الطبيعي أن نميل إلى الاستقرار في حياتنا، وأن نبحث عن الثبات فيها. تجارُ الكلام من محترفي ما سُمي بالتنمية الذاتية هم مَن أقنعوا الناس بخلاف ذلك؛ مَن أوهموهم أن حياتهم يجبُ أن تكون سلسلة من المغامرات التي لا تنتهي، وأن حياة لا يلمؤها الشغف والإثارة ليست جديرة بأن تُعاش.

مقالات مرتبطة

الجديد في الوضع الحالي أننا أصبحنا نعرف ذلك مسبقا. فقد كنا، قبل الجائحة، نعيش كل يوم على أمل أن يكون مختلفا عن معهودنا من الأيام المتشابهة الماضية. والآن صرنا نعلم أن ذلك غيرُ وارد في الأشهر القليلة المقبلة.

ولماذا يُصبح الانكشاف أو الوضوح مشكلا؟ والمفترض فيه أن يكون قيمة إيجابية. طالما أن الانكشاف هو مقترن بالمعرفة، والمعرفة خير. فينبغي أن يكون المقترن بالخير خيرا.

ما تنبغي الإشارة إليه هو أن الحديث في هذا السياق عن انكشاف مخصوص، وليس مطلق الانكشاف. أعني عن انكشاف المقبل من الممارسات اليومية. وهي “عملية” وليست “نظرية”. فالحجر الصحي جعل هذه الممارسات واضحة للغاية، لم يعد فيها من الخفاء ما يُضفي عليها قليلا من الإثارة، صارت مثلها مثل الذهاب إلى دورة المياه، فهي مؤكدة وواضحة ومتوقعة = غياب المنطقة المجهولة الجديرة بالاكتشاف!

الانكشاف التام يُطفئ الفضول الإنساني، يقتل الإثارة والرغبة في الفعل. ومما ينسبُ لفولتير قوله: “السر في كونك شخصا مملا للغاية هو أنك تقول كل شيء”. أن يقول المرء كل شيء يعني أن يصبح مرئيا بوضوح، مكشوفا لكل محيط به؛ يعني بالضبط أن يكون مملا، لا يُطاق. إن بعض الغموض ضروري للحفاظ على الفضول البشري في مواصلة التعلق والاكتشاف، دون أن يكون زائدا عن الحد المطلوب؛ لأن الكثير منه خليق به أن يكون مفسدة محضة. وقد علمتنا التجربة الإنسانية أن الفضيلة دائما وسط بين رذيلتين: بين الإفراط والتفريط.

إن الحجر الصحي إذن، بخلاف ما قد يتبادر إلى الذهن، ليس مجرد تقييد للحريات، بل يتجاوزه إلى أبعاد أخرى في حياتنا اليومية، تكتسي طابعا وجوديا، وهي أخطر. بل إن محاولات ربط الحديث في الحجر الصحي بالحرية، وفقط، تبقى في نظري اختزالا مخلا، إن لم يكن إسقاطا فجا لمسألة الحرية؛ لأن ممارسة الحرية لا تكون إلا في محل، وقد انعدم الآن لشروط موضوعية، تتمثل في استفحال الوباء وتحوله إلى تهديد خطير للصحة العامة. ولا أحد يُجادل في ذلك ويبقى، مع ذلك، جديرا بالانتماء لدائرة العقلاء.