العلاقات السامة

179

لعل حاجة الإنسان لإنشاء علاقات مختلفة ومد جسور التواصل تعادل حاجته للأكل والشرب؛ ذلك أن كلمة “إنسان” مشتقة أصلا من الأنس، فهذا ناموس الكون الذي لا سلطة تقوضه أو تقاومه، غير أن العلاقات قد تسمو بنا وتقودنا نحو جنات النعيم وقد تسقطنا في الشكوك والخسران وتهمشنا ثم تحولنا إلى أشلاء متناثرة.

فكما للسنة فصول، للعلاقات أيضا فصول حددتها الكاتبة أحلام مستغانمي في كتابها “نسيان” في أربعة فصول: فصل اللقاء والدهشة، وفصل الغيرة واللهفة، وفصل لوعة الفراق وفصل روعة النسيان، وقد أقر العديد على أن أروع وأزهى فترات العلاقة هي بدايتها، ولعل في قول محمود درويش: “لا أريد من الحب سوى البداية” أبلغ مثال على ذلك.

ففي الشهور الأولى من العلاقة يظهر كل طرف للآخر جانبه المشرق فقط، ذلك الجانب الذي يتسم بالمثالية والكمال، فتبدأ المشاعر بالاندفاع، وتئز كما القدر على النار وتبدأ معها الأقنعة في السقوط تباعا، مظهرة تلك الحقيقة التي سارعنا طوال أشهر لردعها وقمعها، وفي هذه اللحظة بالذات يحدد مصير العلاقة ومستقبلها، وسنجمع على وجود عدد كبير من العلاقات السامة، تلك التي أضحت كالفيروسات تتكاثر بأنانية مفرطة، هذا التكاثر المفجع يكون إما عن جهل بهذه النوعية من العلاقات، وبالتالي ننظر إليها على أنها علاقة سوية تشوبها بعض المطبات التي لا غنى لأي علاقة عنها، وإما عن علم يغلفه عجز وضعف جرأة لإنهاء العلاقة، وهذا ما يعرف في علم النفس ب”الرابطة الخيالية” تلك التي تدفع بالطرف الجريح إلى البقاء، والتي تقنعه بأنه مرتبط برباط وثيق مع الطرف الآخر مهما بلغ أذاه مبلغا عظيما، وأن المستقبل من دونه أحادي اللون صامت مخيف، إضافة إلى خشية الجريح من إيجاد طبيب يلملم شتاته ويعاود رسم المستقبل الزهري معه.

مقالات مرتبطة

هذه العلاقة لم تُدع سامة عبثا، بل لأنها فعلا تؤدي إلى نتائج وخيمة من ضعف الثقة بالنفس. في هذه العلاقات تصبح الضحية بمثابة كراكيز في مسرح الطرف الآخر يحركه كما يشاء، بل يقنعه بأنه محظوظ كفاية لعيش علاقة كهذه، فيظن بأنه اكتشف الشريك الحقيقي أخيرا، غير أن الشريك الحقيقي هو ذاك الذي يشبعك حبا ترى العالم عبره حدائق وردية، هو ذاك الذي لا تضطر لوضع مساحيق معه، الشريك الحقيقي هو ذاك الذي يحترم مساحتك الشخصية، وشغفك، وانتماءاتك، هو ذاك الذي يضرب ألف حساب قبل أن يصارحك بعيب فيك، ويخبرك كم هو عاشق لك بكامل عيوبك وقصورك! هو ذاك الذي يحبك كاملا بمشيتك المتعثرة ولهجتك الغريبة، بوزنك الزائد ووجهك المطرز بالبثور.

لذا، فلنتسلح بثقة عالية وجرأة منقطعة النظير، ولنتجاوز هذه العلاقات كما نتجاوز نزلة برد، ولنتطهر بعدها بديتوكس، ذلك أن كل شخص منا يستحق أن ينعم بعلاقة آمنة، وأن يظفر بحب كامل، لا أحد منا يستحق أن يحس بوخزة ألم أو نقص جراء شريك حياة خاطئ، لا أحد منا مرغم على المضي قدما في علاقة يطبعها التوتر ، والألم، والأذى، والشك والمرض بكل أشكاله. ثم تذكر دائما أنك فعلا تستحق الأفضل!