الكتابَة العربية…كما ينبغي لها أن تكون!

في وسط أكوام كلّ هذه الكتُب والمؤلفات المتاحة اليوم في عالمنا العربي، لا تكاد تجد إلا كتُباً قليلة جدا ممّا يُستحسن قراءتها، وتستحقّ أن تمنحها حيّزا من وقتك وجهدك وعقلك ومالك، إن على مستوى الأسلوب والإبداع واللغة، أو حتى على مستوى المحتويات والمصداقية العلمية.

قبل سنَةٍ من الآن، قدّمتُ مقالاً لإحدى المواقع الإلكترونية قصد المشاركة به ونشره، لكن، كان الرّدّ بالرّفض بأسلوب رائق ومحترم لا ينتقص من مستواي الكتابي أو يقلل من أهمية موضوعي الذي اخترت الكتابة فيه؛ اعتباراً لكون أنّ المقال لا يرقى لمستوى ما يطلُبُه الموقع ولا يراعي شروط المشاركة فيه، فرجعت للشروط التي لم أنتبه لها من قبلُ، فوجدت أنه بالفعل لم أراعِ في مقالتي الشروط التي تنص على نشر المقالات العلمية الفلسفية والأدبية أكثر منها التحليلية والاجتماعية، وكان مقالي اجتماعيا محضا. فتقبّلتُ ذلك برحابة صدر واسعة، وشكرتُ إدارة الموقع، على أمل أن أكتب مقالاً عما قريب أراعي فيه شروط الكتابة وقواعدها، وأحظى بنشره هناك.

مقالات مرتبطة

يسهر على تسيير الموقع مجموعة من الشباب المختلفة تخصصاتهم ومشاربهم الفكرية ومجالاتهم الوظيفية، فمنهم أطباء ومهندسون وأساتذة وكُتّاب ومؤلفون، وظيفتهم في الموقع مراجعة المقالات قبل طرحها ونشرها للقرّاء، وهذه من مميزاته، ولأجل ذلك أردتُ المشاركة فيه، إذ لا يقبل إلا بالمقالات الهادفة جدًّا والتي تحظى بقدر من الإبداع والإمتاع والمصداقية والسلاسة في الكتابة، بدون إطنابٍ ولا إسهاب، كي يكون أثر النّص أبلغ في النُّفوس وأنفعُ وأمتع لها…فتأملتُ حال هذا الموقع، وقارنتُه مع حال باقي أغلب المواقع الإلكترونية الأخرى التي لا تتكلّف عناء مراجعة النّص أو تصحيحه أو التّأكُّد من صحته ومصداقيّته قبل طرحه ومشاركته، فتضعُ للقارئ نصوصاً رديئة بذيئة، حتى إذا قرأها لا يُحس بأي متعة في القراءة، ولا دهشة من جرّاء تلقّيه لمعلومة علمية هادِفة، فتجده سرعان ما يتسرب إلى ذهنه الملل ويساوره الكلل، ويثقلُ عليه إنهاء النص وقراءة آخر سطر فيه. ثم لا يجد حينها بُدًّا من تركه والبحث عن غيره!

وذكّرني هذا أيضاً بحال دُور النشر وطباعة الكُتب في واقعنا العربي، ولا أدري هل هو حال الدول الغربية أيضا أم أن هنالك اختلافا نظرا لتقدُّم تلك الدول وتفوقها في هذا المجال. فأغلب دُور النشر العربية لا تجد فيها تدقيقا لمصداقية المعلومات أو ضرورة مُراعاةٍ لأسلوب معيّن، فهي تقبل به سواء كان جيّداً أو رديئا، وتقبل بالمحتوى المكتوب سواء كان هادِفاً أو مُنحرِفا، ولا مانع لديها أن يحظى النص بقدر عالٍ من المصداقية أم أن يكون مُمتَلِئاً كذباً وزوراً وتحريفا. بل إنّ أكثر ما تهتمّ له هو قدر الأرباح المالية التي سيخلفها الكتاب، فإن كان لِكاتبِ مشهورٍ ذائع الصيت تقبلُ بالطّباعة له حتى وإن كان يدعو إلى الفسق والفجور، أمّا وإن كان صاحِبُهُ كُوَيْتِباً صغيرا بدأ لتوه يشقُّ مساره في مجال الكتابة والتأليف فتضرب له موعدا على سنة تقريبا، وإن كان محتوى ما قدّمَهُ هادفاً وجيداً ومفيدا، وإلا فيدفع مقابلاً لذلك عددا أكبر من النقود، زيادةً عن العدد الافتراضي الذي تقرره المطبعة، حينها فقط تقبل بطبعه ونشره والترويج له. فكانت نتيجةُ ذلك أننا أصبحنا أمام أكوام من الكُتب والمقالات، يُصاب النّاظر إليها بالدهشة والدّوران من كثرتها، فيحير أيّا منها يختار خوفاً على عقله من الهلاك الفكري والتردي المعرفي، وخشيةَ أن يقع اختياره على كتابٍ دنيء المستوى في أسلوبِه، وعديم المُحتوى في مواضِيعِه وفُصولِه!

واقِع الكِتابة في عالمنا العربي كان سيحظى بقدر أعلى من الهيبة والوقار والقداسة لو أنّ لهُ قانوناً يحكمُه ويقيّدُه ويقيه عبث العابثين وبطش الباطشين وجشع النّاشِرين وغرور الكُتّاب والمؤلفين، ولو أنّ له مُحقّقين أكْفَاء يُراجعون مصداقيتَهُ ويُقيّمون أسلُوبَهُ ويسبرون أغوارَه. سواء على مستوى الطباعة الورقية أم على مستوى التدوينات الإلكترونية. ولمَا كان لهُ أن يكون على هذا الحال من التّردّي، الذي هو عليه الآن.