المحاكاة بتعبير لغة الضاد..

62
إن كل المتغيرات في مجال تطور العنصر البشري عبر محطاته التاريخية والزمنية، يجعل من التغيير أساس الحياة التي يعيشها أي كائن أثبت الخالق وجوده وكينونته من خلال اتصاله بالوعي، وما يسعى هذا الوعي إلي إثباته عن طريق ٱليات تعمل بدورها على اكتساب وتعلم ما يطور الذات البشرية؛ حتى تبرز حقائق عن طريق التفكر والتدبر والتعبير كآخر محطة لولوج الماديات والعالم الخارجي.
من بين المسلمات خضوع هذه الماديات الخارجية التي نتحدث عنها لعملية التأثير والتأثر، في إطار اكتمال نضج الوعاء الفكري للكائِن البشري؛ حيث ينتج لنا هذا الأخير شكلا تعبيريا ينسجم مع تطور الوعي التعبيري ونضج آليات البوح والتوظيف، كصورة كاملة لمسار التطور الفكري والمعرفي لهذا الكائن، وذلك اعتمادا على لغة معينة وأفكار وكلمات مستوحات مما يبرزه عالمه الخيالي ومحيطه الاجتماعي والبيئي والديني، إلا أن إشكاليات هذا التطور والتغيير في التكوين الفكري والعلمي والمعرفي، وكذلك أشكال التعبير وأنواعه داخل المجالات المختلفة تطرح نفسها بقوة، خصوصا إشكال القبول من عدمه، وما  يتعرض له كل ما هو جديد لانتقادات واسعة.
إن ما نتعرض له وما يواجهنا مع كل شكل من أشكال التعبير والابتكار والإبداع، اعتمادا على أنماط جديدة وأفكار تحمل متغيرات وجدانية أكثر تأملا في الصورة والمشهد الخيالي بعيدا عن عالم الماديات، يجعلنا مقيدين نظرا لما ننتجه ككائنات وذوات بشرية تساير تغير وعيها الأصلي والوجودي؛ حيث تصبح كل تعبيراتنا مقيدة الحرية وغير مرغوب فيها حتى مِمًن كان نفسه في سابق عهده يؤمن بالتطور والتغيير، وذلك كلما كان في نظر النقاد أن أي أفكار جديدة يكون في تطبيقها والتعبير عنها ظلم كبير للأفكار التي سبقتها، ولا يرى حسب اكتفائه وإشباعه الفكري، أن كل ما هو جديد لا يخضع لنفس نمطه وضوابطه وأسسه الفكرية، وإنما هو دخيل لا بد أن يحارب بأشد انتقاد ويلدغ بمعنى الطوباوية والخيال الذي لا يقبله منطق الماديات، وهذا ما يحصل في شتى المجالات، ولعل ما عرفه المجال الأدبي عبر فترات تطوره خير دليل على النزعة الانتقادية من العصر الجاهلي إلى غاية العصر الحديث الذي كثرت فيه اللدغات، وهناك من كلفته حياته دفاعا عن الفكرة المتجددة وغير المقيدة في العصرين الجاهلي والإسلامي، ناهيك عما عرفه مجال الشعر والقصة (شعر الهايكو حديثا) ولا تسلم مجالات أخرى من هذا النمط النقدي أو نزعة الأنا النقدية.
إن إرتباط مفهوم التعبير بصفة عامة باللغة يجعل من اللغة العربية – حسب النقاد وغير النقاد- حجة وسببا لانتقاد كل التعبيرات الإبداعية التي تقوم على أساس المثاقفة، التي تحكمها ثقافات غير الثقافة العربية الأصلية من حيث التأثير والاستنباط والمحاكاة كنظرية ومفهوم فلسفي أدبي اجتماعي…الخ، وحتى إن بقي التوظيف اللغوي والتعبيري باللغة العربية، إلا أن هذا الوليد يعتبر “لقيطا” في سرير الثقافة العربية؛ لأنه لم يتشكل عبر ضوابط وقواعد ومنطق ولادة الأشكال الأخرى -حتى وإن كانت ولادته في نفس البيئة والمحيط- لأن مزاوجته لبعض الثقافات الأخرى يجعله خارج أسوار النسب بالنسبة للثقافة العربية، وهو بذلك حكم نهائي لا يقبل أي قرينة أو وسيلة تعيد فيه النظر مرة أخرى!
إن الأساس الغوي والثقافي والتعبيري والكتابي للإنسان العربي، لا يمكن في المقابل أن يقيد أي محاكاة كيفما كان نوعها وشكلها، أو الانفتاح على الثقافات الأخرى بنفس روح اللغة؛ لأن في تطوير وإبراز أهمية لغة الضاد نفسها هو سعي لمحاكاة كل ثقافة في العالم ومنبع لمجموعة من اللغات كالانجليزية من حيث بعض المصطلحات، ومن هذا المنطلق نستنتج ما يؤكد لنا أهمية التغيير والتطوير انطلاقا من الوجدان بكل تجلياته، كون الفكرة تجول بمنطق العقل والقلب واستقرارها لا يعني بتاتا أن يكون استقرارا تقليديا خاضعا لأصول معينة (ثقافية، ولغوية، واجتماعية ودينية)، لذلك نرى أن كل الانتقادات ضد الحركات الشبابية الجديدة بعيدة عن منطق الصواب لاعتبارين:
أولهما: ما خضع له كل مجال من تغيير وتطور.
ثانيهما: إبطال حجة وسبب أن اللغة العربية لا يمكن اعتبارها لغة المحاكاة والمثاقفة العالمية، وأن الشباب العربي لا يمتلك ٱليات لغة المعنى في إبداعاته وابتكاراته ومساهماته، ويمكن اعتبار أي محاكاة مهما كان منطلقها كالتلقيح الريحي الذي تحتاجه الزهور والأشجار في عملية إثمارها، ولا مجال للحكم على كل ثمرة أنها مشوهة النوع والشكل والذوق والجمال.