الموت بين الذكرى والنسيان

الدنيا لعب ولهو، متاع وغرور، أرض واسعة وسماء شاسعة، نقذف فيها لا ندرك كنهها ولا نعي غاية وجودها ولا مراد خلقها، نلعب ونلهو، نمرح ونزهو، ولا نلقي بالا لشيء، ننمو شيئا فشيئا، نكبر رويدا رويدا، فتكسب المدارك، وترفع الآمال والمطامح، وتزداد الأماني والمبتغيات.

نسير في الحياة بكل جد وكد، وبعمل متفانٍ، وسعي دؤوب، بثقة عميقة تغمر أنفسنا، ويقين صادق يملأ قلوبنا، نبني أبراج أحلامنا، وأسقف أمنياتنا، نخطط لحياة فاضلة، وعيش رفاهية، ونشيد الدور، ونسعى لامتلاك السيارات، ونخاصم من أجل الدنيا، ونتنازع فيها، نتسابق من أجل الحصول على رغباتنا الدفينة في أنفسنا، وأمنياتنا القابعة بين جنبي قلوبنا، كلما ظفرنا بشيء شعرنا بنشوة الفرح، وعقدنا العزم من جديد، وجددنا المسير، ننطلق إلى إصابة بغية أخرى، وتحقيق غاية كبرى، نجحد بما عندنا، ونرغب فيما عند الآخر، ونغفل عن نعم غالية، وآلاء جليلة، وإن حققنا شيئا من الدنيا سعينا له، تزهر عندنا، فيترقرق وميضها في أعيننا، وتنبت بذرة زهرتها في شغاف قلوبنا، خضراء يانعة، حسناء فاتنة، غيداء ناعمة، وربيع نسيمها يفوح عطرا وأناقة، فنظن أننا تمكنا منها، نفرح ونلهو ولا نشكر، فنسكن ونركن إليها، ونطمئن بها، فصرنا في سباق مع الزمن، وتسارع مع الوقت، فجأة! وعلى حين غفلة منا، يفاجئنا الموت ويباغتنا، بأخذ عزيز أو حبيب، صديق أو قريب، فنصعق ونتفاجأ، كأن الموت بعيد عنا، والأمر لا يعنينا. يا عبد الله، ألا تعلم أن الموت سنة جارية على كل واحد فينا؟

يوقفنا وقفة حقيقية مع قرارة أنفسنا نعي أخيرا أننا لسنا على صواب، بل خاطئون، خططنا لكل شيء سوى الموت، ربما نسينا أنه قادم، أو ربما تناسيناه، ربما ظننا أننا لا نزال في زهرة العمر والآخرون هم فقط الذين يموتون، لكن الواقع شيء آخر.

يأتي الموت ليعيد صياغة الإدراك عندنا، ليذكرنا أنه يوما ما سنكون تحت الثرى كذلك، يوما ما سيرمى علينا التراب، ونغدو ذكرى في أذهان من عرفنا، ما تفتأ هذه الذكرى أن تتلاشى.

يخبرنا بأبلغ معنى، وأوجز لحظة، أن لك يوماً لن تخلفه فاعمل لأجله، واجعل دنياك عملا وهمة من أجل آخرتك، “وكن في الدنيا كغريب أو عابر سبيل”، واسع لدرك المعالي، فالدنيا معارك، وجب أن نخوضها بحلوها ومرها، ولأبي قاسم الشابي في ذلك قول:

ومن يتهيب صعود الجبال *** يعش أبد الدهر بين الحفر

واجعل الدنيا في يديك لا في قلبك، إنها تغر وتفتن، وحذار حذار، أن تنسيك الهم الأكبر، وتتلفك عن الغاية، فالغاية الغاية لا تغفل عنها.

إن الموت يوقظ العزائم، ويبعث الحياة في الهمم، يحرك شغاف قلوب كانت عطشى، وأفئدة ظمأى، تروية علها تتعظ فتعمل. إن الموت هو إيقاظ للأحياء ومرحلة انتقالية من حياة إلى أخرى، والشخص الذي لا يجد في قلبه شيئا إذا رأى الموت هذا نظر، فليعد النظر في قلبه.

مذكر هو الموت، يذكر بيوم قبورنا، يذكر بلقاء ربنا، يذكرنا بالنعيم المقيم، والجحيم الأليم، ولما يرسخ في الذهن اعتقاد أن الموت قادم لا محالة، ولا تحيد هذه الحقيقة عن بال امرئ، يكون المؤمن أكثر عملا، وأصدق يقينا، فيغدو مستعدا للموت مُرحبا به.

إن المؤمن لا يخاف الموت ولا يريبه، بل يتحول عنده من ذلك القلق إلى الراحة والسكينة، والفرح بلقياه، ولا يقض مضجعه، ولا يزعزع إيمانه، يتلقاه بنفس مطمئنة وروح مبتهجة ليعانقه، وكله رضا، كيف لا وهو يقرب من رؤية الرحمن، وإذا بكى المؤمن قبيل موته فذاك ليس خوفا منه، ولكن بكاء حزن عن انقطاع العمل وتهاونه في الأيام الخالية. إن قلوب العباد منازل ودرجات، قلوب حية، التي إذا ذكرت خشعت، وإذا ضرب المثل اتعظت فعملت، قلوب غافلة، إن ذكرت قد تخشع، ولكن، ما يفتأ هذا الخشوع أن يضمحل ولا يعقبه عمل، قلوب ميتة، ذكرت فما خشعت، رأت الموت يأخذ الصغير قبل الكبير، فما اعتبرت ولا عملت. ألم يأن بعد لهذه القلوب أن تخشع لذكر الله؟ ألم يحن بعد لهاته الأفئدة أن ترجع إلى ربها؟ ألم يأن لها أن تتذكر وتعي وتدرك أن العمر قصير؟ أما كفى بها عظة أن نرى ونسمع كل يوم الموت يأخذ أحباءنا وأصدقاءنا وجيراننا تباعا؟ أما رأيت أنه يتخطف الكبير والصغير، ولا يساوي بين الأنام، هم تحت مقصلته سيان وسواء؟ ألم يكف طول الأمل والتسويف والمماطلة؟

كان ابن عمر يقول: “إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.” أناس عاشوا بقصر الأمل، وعلموا أن الدنيا زائلة وعملوا من أجل الموت، واستعدوا للرحيل، ولما يعلم الإنسان أن الدنيا فانية، والموت داهم، وأقرب الغائبين الذي قد لا يدق بابا وهو حق، ولا يأخذ إذنا للدخول، يزيد من عمله، ويخدم دنياه كأنه سيخلد فيها، ويستعد للموت كأنه سيموت في لحظته، بما يصلح دنياه لأجل آخرته، لأنه لا دوام في الدنيا، والعيش عيش الآخرة، كما قال الدميري:

ترجو البقاء بدار لا ثبات لها *** فهل سمعت بظل غير منتقل

تمر الأيام وتأفل جذوة الفوران الإيماني ويخبو وهجه، نرجع إلى سابق عهدنا، وماضي عادتنا، بعد ذكرى الموت التي ذكرتنا والتفت حول قلوبنا فاعتبرنا، ولى كما كان، فما السبيل؟ وما الحل؟ أقست قلوبنا لهاته الدرجة؟ أهو وهن مس أفئدتنا؟ أهو حب الدنيا وكراهية للموت؟ ما هذا التقلب العجيب والقسوة التي تغمرنا في كل حين وفترة؟ «إنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِن أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» قالها الحبيب ﷺ. إن أشد ما يحرص عليه المؤمن، وأخوف ما يخشاه، قلبه وسلامته من التقلب والقسوة، وما سمي القلب إلا أنه يتقلب وما أول ناس إلا أول الناس. لهذا، كان رسول الله ﷺ، يكثر من دعاء “اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”

إن قلوب الورى تتجافى عن اليمين والشمال، كيف لا وهاته المضغة التي نحملها في جنبنا، محل نظر الرب، وسبب إخلاص وقبول العمل، ففي الحديث الصحيح: أنَّ النبي ﷺ قال: «إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.» فاحرص على سلامته، عسى أن تبعث سليم القلب يوم تلقى ربك، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

إن الموت مصيبة لأنه فراق الأحبة، إن أصعب ما في الدنيا، مفارقة الأهل والأحباب، أناس بالأمس أحياء كانوا معنا، تواجدهم كان يعني الكثير بالنسبة لنا، يزينون حياتنا، وإن فقدهم مصيبة لنا، نأنس بوجودهم، ونفرح بلقياهم، ونهفو لمجالستهم، ونسعد بحديثهم، واليوم غادروا الدنيا تاركين كل شيء ظهريا: دورهم، وأموالهم وأولادهم، آخذين معهم أعمالهم فقط، فكيف يطيب العيش وقد فارقونا، ولكن من نعم الله علينا أن منحنا ذاكرة تنسى. إن النسيان نعمة، ودونه لعاش الإنسان ضيقا وضجرا، ولارتشف من عبق التفكير ما يسوؤه، ولقض مضجعه، فيغدو نومه ذكريات تجرح ذاكرته، فلا يعرف للنوم سحنة ولا طعما، ولكدر صفو باله، وبين ألم الفراق: اشتياق، ورضا بقدر الله وقضائه وصبر.

الموت منسي، تمر الشهور والسنون، وتتلاشى الذكريات شيئا فشيئا، تتجرد منا تباعا، وتتساقط رويدا رويدا، ويخف ألم الفقد. والعاقل الفطن، من فهم هذا المعنى وعقله، وأعد العدة، وأخذ الزاد والمتاع ليوم الرحيل، “فيا سهولة الرحيل، لعل النفس تلقى من فقدت، فتلحق بمن أحيت”. وحتى لا يقول يا ليتني قدمت لحياتي، يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله، وكيف لعاقل أن يفهم هذا القول ولا يعمل، فذاك يا ضيعة العمر، ف”الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه”.

إن سلعة الله غالية، كيف لا وهي الجنة، وتستحق التضحية، ومن أجلها فليتسابق وليتسارع وليتنافس المتنافسونكما يقول الإلبيري:

ســجنت بها وأنت لها مـحب *** فكيف تحب ما فيه سـجـنـتا
فـــلا تـلهــو بـدار أنــت فـيـها *** تـفـارق مـنك يـومـا ما لهـوتا
وتطـعمك الطعام وعـن قريب *** ستطعم منك ما منها طعمتا