بين الحياة والموت

للإنسان علم تام بأنه سيغادر الحياة يوما ما، باعثا روحه إلى سمائها، وتاركا جسده في أرضها، لكنه، مع ذلك، لا يزال يعتقد أنه خالد فيها، لا يشعر بصدق الأمر حقا، ولا يستوعب فكرة أنه مجرد عابر سبيل فوق قناطرها، وبأن الحياة الدنيا ما هي إلا ذلك البيت الكبير، والجميل المُغري، والمرصع بأحجار الزينة والتسلية، الذي نكتريه من مالكه بعقد مفتوح، لا أجل ولا تاريخ واضحين محددين عليه لمغادرته، لكننا ومما لا شك فيه، نغادره في نهاية المطاف، من دون إذن منا بل برغبة المالك المُفاجِئة.

لا يستوعب الإنسان أنه مركب من ثنائي الجسد والروح فقط، وأن للروح سرعة وقدرة رهيبتين على الخروج والهروب والتخلي عن الجسد في ثوانٍ معدودات، وإن تخلت الأولى عن الثاني، يرن ناقوس الأجل بلا خجل وتتوقف خطوات الإنسان في أزقة الحياة. فما يدل على اعتقاد الخلود فيها هو أفعالنا، وسلوكاتنا، وإهمالنا وتخلينا عما هو حق، وعما فيه خير لنا لنسعى وراء ما هو باطل. أتساءل دائما ماذا لو كنا نعلم سنة، وشهر، ويوم، وساعة، ودقيقة وثانية إقلاع طائرتنا؟ ماذا لو كنا نعلم وقت رحيلنا، هل فعلا كنا سنكون ما نحن عليه الآن؟ هل كنا سنستغل وقتنا المتبقي فيما هو أساس وجودنا؟ أم كنا سنطرق باب التوبة في آخر الدقائق قبل الرحيل فقط؟ أعتقد أن الاحتمال الأخير أكثر واقعية، سنتوب في آخر الدقائق وليس هذا مغزى الوجود، فلذلك نجهل وقت رجوعنا إلى الودود.

أما بعد، فالروح هي التي تتعطش للحب، والعطف، والحنان، والرفق، والمجاملة، والمدح، والاهتمام والكلام اللين المعسول الموزون، وإلى كل ما هو جميل قد يخطر على بالك، أما الجسد فلا، فإن عَطَشَ عَطِشَ لبضع قطرات ماءٍ فقط، لا لكل ذلك.

هكذا عزيزي الإنسان، إِنَّ كلمة طيبة في حقنا ونحن على قيد الحياة، خير من مائة قُبلة على جبيننا ونحن على أبواب الموت، وإن معاملةً لطيفةً منك لنا ونحن فوق أرضنا،خير من ألف رشّة ماءٍ منك على تراب قبورنا، أن تخصص لنا هنيهة من وقتك الثمين تسألنا فيها عن أحوالنا، خير من أن تجلس جلسة القرفصاء على أحجار قبورنا وأنت ترتل سورة (يس) بعيونك الحزينة الدامعة. صادِق أرواحنا لا أجسادنا، إن أدركنا الموت وأقلعت الروح عند بارئها يُغلق باب التعطش ذاك، وإننا نراك كالمجنون، تُّقَبِّلُ أحجارا، وتسقي ترابا، وتتحسر على جثة…فقط لا غير، لا يعود لأفعالك تلك معنى ولا قيمة.

تفضل يا عزيزي اجلس مشكورا، لا تُكلف نفسك، لقد توفتنا الحياة، لسنا بحاجة إلى ذلك، نحن هنا في عالم البرزخ بعيدين كل البعد عنك، حبك هذا يا ليته تبلور عندما كنا أحياء نُرزق، أما الآن فابعث لمولاك بضع دعوات خاشعة من أجلنا لعلها تصلنا، واهتم بأحبائك الأحياء حولك، وتذكر يا عزيزي أن الموت لا ينذر. فسلام!