بين الماضي واليوم!

كان التواصل يحتاج لوسائل قد لا يتقبلها العقل الحالي، فالنار مثلا كانت وسيلة للتواصل، إذ كان تصاعد الدخان إشارة الاتصال، وصوت الطبول الذي تميز به الهنود الحمر أداة كان لا يمكن الاستغناء عنها، والحمام كان رسولا بين الملوك والحاكمين، والرسائل الورقية المخفية بين العشاق المحبين، الأمل الوحيد لتواصلهم، بل حتى رائحة عطورهم كانت تضيف للرسائل رونقا خاصا وتجعل المشاعر تنتعش والشغف يكبر، اختلف كل شيء وتطورت الأمور فأصبح كل شيء يسير بسرعة بل حتى المشاعر أصبحت ترتجل، ويعبر عنها بملصقات تفقدها معناها ولكنها أصبحت من أساسيات التواصل اليوم، أصبح التواصل سريعا والقطيعة أكثر سرعة.

كان في قديم الزمان وعبر التاريخ معرفة أفكار الٱخر تحتاج لنقاش طويل، وربما لمناظرة تمتد لساعات وساعات حين كان الإنسان مفكرا، وباحثا وقارئا، وكانت الساحات أماكن لإنتاج الأفكار والمعرفة، واليوم وأنت جالس تتصفح حسابك الفايسبوكي تجد نفسك بين شخصيات متعددة أطلقت العنان لأناملها لتعبر وتفكر، تقارن وتحلل، وكل مفهوم من المفاهيم التي ذكرت فارغة من محتواها الحقيقي، فحقيقة الأمر أنك محصور بين أمرين: تفاهة ما ينشر، والإفادة التي قد نستفيد من هاته التفاهة…نعم إنها تعطينا عصارة فكر صاحبها؛ فالكثير من الناس نعرفهم من خلال منشوراتهم التي تجعلنا نتجنب لقاءهم في واقعنا، وكذا تفادي الدخول في أي نقاش معهم، فالحقيقة الظاهرة أن لهذا العالم قوة خارقة يجعل الإنسان يلبس أي قناع يريد إلا التفاهة، فهي ليست بقناع، بل حقيقة صاحبها قد تكتشف بمنشور واحد وفقط، وإن كان مشاركة…هذا من جهة، من جهة أخرى، فهذا العالم الأزرق قد يعتبر بديلا للسيرة الذاتية العلمية للكثير من الكفاءات غير المعروفة؛ فمن خلاله نعرف معدنهم ورقي تفكيرهم ونتمنى اللقاء بهم، يجعلونك تبحر في مفكرتهم وتغازل أحرفهم، وتداعب كل كلمات من كلماتهم، مفكرين وباحثين لا نعرف عنهم الشيء الكثير، كان للتواصل الجديد دورا في إخراجهم للوجود.

مقالات مرتبطة

في قديم الزمان كانت الخصوصية احترام، وأسرار المنازل تحيا وتموت بداخلها، ولا يسمع من في الغرفة ما يقع في الغرفة المجاورة، واليوم ها نحن ذا أمام أبواب مفتوحة، ومنازل مكشوفة، وأسرار مفضوحة أمام الجميع بأسرارها وأفعال أصحابها، وفي مخيلتنا الكثير من التساؤلات التي تحتاح لإجابة، ومن بينها: ألا يمكننا الرجوع لحلاوة ماض كان الاتصال هو المغزى والوسيلة وسيلة وفقط؟ ألا يمكننا قتل التفاهة في وسائل الاتصال الخاصة بنا والبحث عن المعنى؟ هل نحن بحاجة لترشيد أم لتقنين وسائل اتصالنا؟ كيف نجعل المحتوى الجيد قاعدة والتفاهة ستثناء؟ من يتحمل المسؤولية في الإقبال الكبير على ما لا يفيد وتجاهل كل ما يفيد؟ ماذا نحن فاعلون أمام سرعة تواصل لها ما لها وعليها ما عليها؟ في مقالتنا هاته لا ننتصر للماضي بل يغلبنا الحنين فقط، ولا نحن مع الحاضر، بل نود تواصلا مستقبليا مفيدا، والأسئلة تحتاج لإجابة فهل من مجيب؟

نريد العيش في لذة التواصل القديم وبسرعة العصر الحالي، نريد نقاش الماضي المفيد وبتقنيات الجيل الجديد، نريد حرمة البيوت كما كان في قدم التاريخ والتواصل بين البيوت بكل الوسائل المتاحة في عصرنا، نريد جيلا بمصطلحات الحشمة والوقار وبمفاهيم العلم والمعرفة، نريد ونريد ونريد…

بين هذا وذاك، شكر لأصحاب المنشورات الهادفة، شكرا لمن كان سببا في جعل هذا الوسيط متاحا للرقي والارتقاء، شكرا لمن اتصل وسأل وصلة الرحم مبتغاه، شكرا لمن قرأ وسيجيب: متى تموت التفاهة وينتشر الرقي والإفادة؟