ثلاثية غرناطة والبحث عن الهوية

97

قراءة في رواية ثلاثية غرناطة

ثلاثية غرناطة الرواية التي ستوقظ فيك حنينا طويلا، وأسى نسيته أو حاولت أن تتناساه. أبحرت بنا الكاتبة رضوى عاشور، في البحر الأبيض المتوسط متجاوزة حدود الزمان والمكان، عابرة بنا إلى الضفة المقابلة للمغرب الأقصى، في أحلك فترات المسلمين وأشدها. تدور أحداث الرواية بين أزقة الأندلس العتيقة، وبالضبط ما بين غرناطة وبِلِنْسْيَة في منزل عائلة أبي جعفر العريقة. فمن أبي جعفر الجد مرورا بمريمة وحسن وصولا للحفيد علي، متنقلة بنا بين شخصيات مختلفة، لكل منها حاجاتها ورؤاها الخاصة، ناسجة مجتمعا مصغرا في بيت واحد.

قبل أن تسافر بين عوالم الرواية، أهديك نصيحة صادقة؛ يمكنك أن تقرأ الرواية في أي منطقة شئت من مناطق الكون الفسيح، لكن لا تجرؤ على قراءتها عند ضفة البحر الأبيض المتوسط، لأنك إن فعلت ستصل إلى آذانك صرخات وتأوهات الأيامى واليتامى والمهجَّرين والغرقى في عمق البحر المتوسط، سترى سفنا وقوارب للهاربين من جحيم المعاناة الفارين بدينهم وفلذات أكبادهم من القشتاليين.. فهذه نصيحة مني لك، لا تتجاهلها، فلن يخلص لك النصح إلا من ذاق، ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف.

تأخر الوقت وفرصة التراجع لم تعد سانحة. تنازل الأمير الصغير، وسلّم المفاتيح، وخرج صاغرا ذليلا. وأمه تصدح بكلمات سجلها التاريخ، بمداد لا يمحى ولا يزول؛

مقالات مرتبطة

ابكِ كالنِّساءِ ملكًا مُضاعًا *** لمْ تُحافظ عليه كالرجالِ

بالفعل، خرج عبد الله الصغير ذليلا، تاركا عواصف ونيران تحصد الأخضر واليابس، آتت على ما تبقى من روح الأندلس. وجد أبو جعفر نفسه كغيره من ساكنة قرطبة، وسط بيته يتخبط في مشاكل وضغوطات لا قبل له بها، تعصف به وبأهله…فبين الخوف من ضياع التركة والأولاد ضاع ما هو أسمى ألا وهو الهُوية، ضياع ليس بعده ضياع، ليظل أغلب الناس من غير دين؛ فلا هم بالمسلمين فيصدحون بدينهم، ولا هم بالنصارى فيختلطون ويندمجون.

محاكم التفتيش قائمة تقتحم الدور والبيوت، في محاولة منها لاستئصال ما هو عربي أو بمعنى أصح ما هو إسلامي، فمن إغلاق الحمامات، وفتح الخمارات إلى تحويل المساجد الصادحة بالأذان لكنائس تُدَّق الأجراس في صوامعها، مرورا بالتنصير والتعميد، وتغيير الأسماء! لم تكن المشكلة في الاسم، إن كان القلب متشبعا بما يعتقده، لكن الطامة أنه مع تغير الاسم تغيرت القناعات، وهاجس الانغماس والمسايرة طفى، فمن تنازل إلى تنازل، إلى دركات من تنازلات لا قعر لها…دُقت الأجراس يوم الأحد، وهرولوا مسرعين إلى حضور صلاة فُرضت قسرا، فلم يجدوا أنفسهم إلا وأرجلهم ملبية. تطورت الأمور وأصبح السقوط في أكبر الرذائل عاديا، أبو جعفر وهو يعاقر الخمر، حسن ومضاجعته لمومسة…ضاعت الهُوية فلم تعد للشعائر الإسلامية وقع على النفوس، افتقدوا أشياء؛ كبعض الطقوس؛ مظاهر الفرح في العيدين، وأكل الكسكس يوم الجمعة…لكنهم لم يفتقدوا ما هو وجداني، تلك الثغرة التي في القلب التي لا يملؤها إلا الإيمان به والخضوع إليه، إيمانا وممارسة. صمد من صمد حافظا اسمه في التاريخ بمداد من ذهب؛ تاركا صراخه يزعج الموتى، ويوقظ المعتبرين.

انتثر رماده في أرجاء المكان، مفارقا لمن أحبها وحملت بذرته في أحشائها تنتظر لتخبره بجميل أخبارها، والجمع الغفير في شرود وذهول، عاجزين عن أي محاولة من محاولات المقاومة.

لم أشأ أن أكمل تفاصيل الرواية لأترك لك الرغبة في أن تراود الكتاب عن نفسك، وتقتحم القلعة المتهالكة، وتتذوق إبداع كاتبة تألقت إلى حد كبير في روايتها.