جرب أن تكتب

أصعب الأوقات، هي أوقات الانتظار، الانتظار المؤلم القاتل، مع كمية هائلة من الأخبار والأقوال التي تحيي شيئا من الأمل تارة وتقتله تارة. أترى متى ينتهي هذا الكابوس، أم أننا سنعيش هكذا لوقت طويل، تفكير ووساوس لا تنتهي، حالة من التيه والتعود على اللامعنى، أقرب إلى العدمية واللامبالاة، ما عاد للحياة طعم ولا معني. كومة أفكار وهواجس تشل أي تفكير سوي.

نصحني صديقي بالكتابة، الكتابة…أتسمي ما كنت أكتبه أيام الدراسة كتابة. سمه خواطرا أو محاولات بائسة من حالم في بداية مشوار الحياة ليكون كاتبا ومفكرا عظيما يفيد الأمة بعلمه ويغير العالم من فوق سريره. أجابني فقط اكتب، ليس ضروريا أن تكتب ليقرأ الناس ما تكتب، اكتب واخرج ما بداخلك وكفى. لكني أصبحت كالعاجز، الكلمات لا تطاوع أفكاري، أفكاري هي أيضا مشتتة، ما عاد بإمكاني فعل شيء توقفت عنه منذ سنين، منذ أن اصطدمت بالحياة الحقيقية، بالواقع القاسي الذي لا يشبه عالم الكتاب والأدباء الحالم، توقفت عن الكتابة مند أن اقتنعت أن الحياة مجرد لعبة لا يحكمها مبدأ ولا منطق، والمثالية ليست إلا في مخيلة الكتاب والشعراء ومن تبعهم من الغاوين.

هجرت الكتابة ولعنت الفكر والإديولوجيات وما دار في فلكهما، آمنت بحكمة قالها أحدهم “وأنت في العشرين من عمرك، اضمن مستقبلا محترما تم اعتنق ما شئت من الإديولوجيات، فصدقني إذا واجهت الفشل فلن تجد أحدا بجانبك”. آمنت بالفكرة وتبنيتها، لكن لا شيء تغير، ها أنا دخلت الثلاثينيات، ها أنا اصبحت كهلا أسارع الزمن لأضمن لنفسي شيئا في هذه الحياة، أسرة، أو تقاعدا، أو استثمارا يقيني شر الزمان ونوائبه، و أعود بعدها لأنعم بالراحة في الوطن. هذا الوطن الذي كرهت العيش فيه يوما، وها أنا اشتاق وأمني النفس للرجوع إليه، هي نفس أفكاري ومساعي وأنا في بداية العشرينات، كأن الزمن لا يتحرك، كأن الزمن يعيد نفسه…آه من الحكمة والعمق في التفكير، والذكاء، والواقعية والبراغماتية، وكل هذه الأفكار الاستعلائية البائسة.

مقالات مرتبطة

أجابني: اعلم يا صديقي، كل ما ذكرته صحيح، صدقني لا شيء يتغير، هي الحياة؛ طريق طويل لا نهاية له الكل فيه سائر، يغريك العدو فيه والسباق وبدل الجهد في قطع أطول المسافات، لكن لا تنس وأنت تركض أن تنظر إلى الجمال الموجود في جنبات الطريق، ربما روعة الجمال ستجبرك على الإبطاء والاستمتاع بالطريق.

عش الحياة بعرضها لا بطولها فحسب، تمهل وعش اللحظة بكل تجلياتها. وتيقن أن معادلة الحياة بالعمر معادلة خاطئة وأن الحياة أرحب من اختزالها في أرقام مطلقة، وتذكر أن العمر يقاس بالتجارب لا بالسنوات. -أكمل حديثه دون أن يلتفت لي- تخلّ يا صديقي عن السلبية، لا تسمع لأصوات السلبيين لا تسمع لأي صوت بداخلك يقول لك أن حياتك لا معنى لها، أنك انتهيت، لا تنظر إلى المستقبل بعين الحاضر، اترك الحياة تخبرك عما سيحدث، دعها تفاجئك، هذا هو نظام الطبيعة والحياة، سلسلة من التغيرات والتيارات، لا تتحداها ولا تقف أمامها وتقاومها، بل سر معها في تناعم، وكن جزءا منها ولا تحاول السيطرة عليها وإخضاعها، ببساطة دع الحياة تحدث.

اعلم أن المتعة في الرحلة لا في الوصول. -قاطعته- كلامك صحيح ومنطقي لكن عقلي ما عاد يحتمل كل هذا الكلام، عقلي متكبر لا يطيق الوعاظ والناصحين. سئمت سماع خطابات التنمية البشرية المحمسة، صرت يا أخي أهوى التفاهة وأجدها تمنحني شيئا من المعنى والقدرة على الاستمرار، أتعلم الآن حجم مأساتي وخيبتي في هذه الحياة؟ نظر إلي في صمت وهو يفكر، واسترسل قائلا: الاستسلام ضعف والضعف يكمن في أن تأخذ مشاعرك على أنها واقع، والواقع ثابت، أما المتغير فهو نظرتك للأشياء، مشاعرك وأفكارك متناقضة، تصبح على حال وتصحو على حال، أفكارك ومشاعرك منفلتة تهيم في وجدانك دون قيد ودون نظام، والحل يا صديقي في كتابتها في الإمساك بها وسجنها في الورق، لتقع المواجهة. الحل يا صديقي في الكتابة. جرب أن تكتب، اكتب عن خيباتك، اكتب عن مأساتك، اكتب عن همومك وأحلامك، اكتب حديثي وحديثك، اكتب كل شيء، اكتب عما يراودك، عما يؤلمك، اكتب عن خوفك وقوتك، عن أفراحك وأحزانك، اكتب عن كل التناقضات في حياتك، فقط جرب أن تكتب وتستمر في الكتابة، ولا تهتم بالقواعد ولا بحسن العبارة، اكتب فقط؛ فالكتابة أشبه بالمواجهة التي تواجه نفسك فيها وأفكارك وجها لوجه، اكتب ففي الكتابة بعض العلاج، والأهم إعادة ترتيب الأفكار.