حدود النقد والتسليم في الفكر الإسلامي

إن سؤال تطور الأمم والحضارات يتأتى من ممارسة النقد البناء الهادف إلى الابتكار والتجديد؛ من خلال الوقوف على مواطن القوة ومكامن الخلل؛ باعتبارهما ركيزتين في تقويم مختلف ما أنتجه العقل البشري من علوم، وبدورها الحضارة الإسلامية انْبنت على هذه الممارسة النقدية في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي.

فالمسلمون عموما والباحثون المتخصصون في علوم الشريعة تحديدا لا يخرجون عن ثنائية النقد والتسليم في كل الأمور العلمية، والنقد هو حركة ذهنية يمارسها العقل البشري لتصحيح أو تقويم محتوى معين، فهو بذلك محطة مستقلة وعملية هادفة في التراث الإسلامي تستدعي الوقوف على مسارات العلوم وتطورها عبر التاريخ، حيث تشابكت المعارف مما أدى إلى ظهور مراجعات علمية واستدراكات منهجية دقيقة أسهمت بشكل حاسم في ضبط وجهة العلوم الإسلامية ومساراتها المعرفية وتجلياتها العملية والتطبيقية. وذلك بتجديد ما يحتاج منها إلى تجديد وفق ضوابط علمية تقي الباحث التسيب في الممارسة، فتاريخ العلوم الإسلامية إذن تاريخ نقدي بامتياز. وقد برز المسلمون في علوم كثيرة أهمها علم أصول الفقه الذي لم يُعرف له نظير في حضارة غير الحضارة الإسلامية. وهو علم ذو وظيفة منهجية ترشيدية قائمة على ثقافة الدليل والاستدلال، وعدم التسليم بالأمور إلا بعد الدراسة والتمحيص والنقد، فالمسلم بأصول الفقه لا يقبل القول عاريا عن دليله.

وفي المقابل لا نتحدث عن التسليم المطلق إلا لكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه علماء الأمة وسلفها، لذلك قال تعالى في محكم وحيه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ} وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. فهذه هي حدود التسليم إذن. أما ما أنتجه العقل البشري بعد ذلك من علوم سواء كانت خادمة للنص القرآني أوالحديثي من قريب أو من بعيد، فإنها لم تسْلم من النقد العلمي نظرا لبعض الإشكالات العلمية التي فرضتها طبيعة الظروف التاريخية، أو أمور أخرى خارجة عن العلم كما وقع للمسلمين مع علم الكلام، الأمر الذي فرض ممارسة النقد البناء والذي بدوره أفرز دعوى عريضة تسمى ب: “تجديد خطاب مجموعة من العلوم”: فالتجديد إذن ليس إلا تفعيلا لدور الاجتهاد وفق آلية النقد العلمي الهادف إلى تبَين مكامن الخلل. ولعل أبرز مثال على ذلك هو المحاولات التجديدية في علم أصول الفقه الذي أضحى في مرحلة تاريخية معينة مرتعا للخلاف الكلامي، فسعت هذه المحاولات إلى نخْلِه مما علِق به من مباحث كلامية لا يترتب عليها عمل ولا تقوم عليها الصناعة الأصولية.

فحاول بذلك العلماء الحفاظ على استقلالية العلوم وخصوصياتها المعرفية مع الإبقاء على مبدأ الاستمداد، وهي رؤية علمية دقيقة واستشرافية تستحضر الأبعاد السلبية للفصل بين هذين المبدأين (الاستمداد والاستقلالية).

فالتفكير النقدي إذن هو مرقىً متقدم من مراقي البحث، يمارسه الباحث بعد بلوغ درجة معينة من الاجتهاد تُكسبه رؤية نقدية ثاقبة يقتدر بها على تحليل الظواهر والموضوعات.

والتوفيق بين ثنائية النقد والتسليم رهين أساسا بطبيعة ما يُبحث وخصوصية ما يُتناول، فما كان خاضعا لمتغيرات الزمان والمكان لا بد من إعمال الفكر النقدي فيه، وما كان ثابتا مستقرا نُسَلم بأصله وإن اختلفت فُهومه، فهكذا ننتقل من النقد كمرض نفسي عضال مبني على الهوى والنزوات إلى نقد علمي بناء وهادف.