حنين

نستيقظ كل صباح على نغمات شاعرية أخاذة، أو على تقاسيم آتية من مذياع متآكل تحتفظ به الأم معلقا على أحد حيطان المطبخ، أو على رائحة الشاي بالنعناع وخبز آني التحضير؛ نأخذ نفسا عميقا منها وكأنما نريد لتلك الرائحة أن تستقر من بين جانبي رئتينا، نرتشف قهوتنا الصباحية في انتظار أن تجهز طاولة الإفطار، والتي تحرص فيها الأم على أن تكون متوازنة كي ينعم أطفالها ورب بيتها بالصحة والعافية. ننتهي من الأكل وينصرف كل منا لغايته.

كانت الحياة أبسط مما يعتقده الكثيرون، بسيطة، نستمد من جعبتها أبهى الدروس وأعمق الحكم. لم يكن في الحي الكثير من مرافق التسلية غير مقهى العم، يجتمع فيها الرجال في الأصيل يناقشون القضايا السياسية والاقتصادية للبلاد، كل حسب وجهته ومنظوره. المسنون،كل يتكئ على عكازه، منهم من يدخن النارجيلة ومنهم من يشد بأصابعه الخمسة على تسبيح يظهر أنه حفت ألوانه من كثرة الاحتكاك، جالسون في تركيز تام على قاعة اللعب المكونة من لوح خشبي هرئ وأغطية قنينات الغاز المرمية بجوار دكان الحي. يحرك المسنون أيديهم فوق اللوح فتسمع ضحكاتهم كاشفة عن فم كبير وأسنان متهالكة. لم نتعلم أن نحترم الأكبر سنا منا أن نعطف على الأصغر في البيت أو في المدرسة، فقد فتحنا أعيننا ونحن نعيش هذا التقليد ونبجله مع آبائنا وجيراننا ومدرسينا. الكثير من كتب فنون التربية التي تملأ المكتبات والدرج اليوم، كانت أشخاصا يمشون فوق الأرض، كانت أصولا متأصلة فينا، وكنا تربة تتجذر فيها هاته الأصول. يأتي على أحدهم كرب ما فترى الجيران يسابقون الريح لمواساته، ويبكون لبكائه في غير ما تكلف ولا تباك. يجتمع الرجال ليفكروا لصاحبنا في حل ويكونوا سبب التنفيس والفرج، وتجتمع النساء فيجعلن من صاحبة الكرب عروس المجمع، يحضرن الشاي ويتقاسمن كل بدورها أشد أيامها حرجا، فلا يروح الليل إلا وفرجت. هكذا يتقاسم الجيران المر فتخف وطأة الحزن والحلو فيضاعف الفرح أفراحا.

مقالات مرتبطة

لا يمكن أن ننسى أيام رمضان، كان شهرا يخص بالعبادة والذكر أكثر من أي شهر غيره، لم يكن أحد يجرؤ على أن ينطق بشتيمة أو سباب حتى لو بلغ ذروة غضبه حفاظا على صيامه وتعظيما للشهر الكريم. كان الناس يفقهون أن رمضان فرصة لإثراء رصيدنا من الحسنات، فكانوا لا يألون جهدا في إطعام المساكين والمحتاجين. صينية تحوي ما لذ وطاب من الطعام، تغطي بقطعة ثوب وتحمل من طرف الأب، فيتوجهان كلاهما صوب بيت الله، آملين أن يجدا محتاجا أو صائما حالت الظروف بينه وبين تواجده مع عائلته. ينتهي الفطور وتبدأ جولة أخرى من التعبد؛ صلاة التراويح، يجتمع الحشود ويتقدم الإمام، يقرأ والكل ينصت في خشوع وتدبر، يدعو الإمام والمأمومون يؤمنون في جو تسوده السكينة والطمأنينة. تنتهي الصلاة ويبرز ويتجلى أثرها. فهل فرضت الصلاة لغاية غير ذلك؟ يصل الناس أرحامهم فتكبر آصرة المحبة وتتقوى. كان للعشر الأواخر من رمضان وخصوصا في ليلة السابع والعشرين منه، تقليدا خاصا قائما بذاته. فكانت النساء يطهون الكسكس للبيت، وترسل قصرية إلى المسجد يأكل منه المصلون. وما أن ينتهين من الطبخ، حتى يلبسن القفطان ويضعن الكحل والحلي، يضعن الحناء للفتيات ويقدمن التبريكات لكل من صادفن في طريقهن: “مبروك عواشرك”. تأتي أيام العيد فتثلج صدور الصغار، آملين أن يحصلوا على قطع نقدية أوفر من ذي قبل. وتبتهج أسارير الكبار، فيتبادلون التهاني مع الأحبة والجيران ويتقاسمون فطور العيد.

بساطة العيش حينذاك، بجذورها وفروعها أنجبت جيلا يعي أن كلا منا مسؤول بشكل من الأشكال عن النهوض بالأمة، جيل يروم رفعة البلاد وتنمية اقتصادها، جيل فهم أن الكمال مقصد بعيد المنال، بل كل منا بالملكة التي اختصنا بها الله جل في علاه نكمل بعضنا البعض.