ذكّر أنك تعيش معه، و لست تموت بسببه.

6

إذا عدت بذاكرتي إلى الوقت الذي سمعت فيه لأول مرة العبارة التالية: ”يؤسفني أن أخبرك أن الورم خبيث، أنت مصابة بمرض السرطان“. أجد أنه من الصعب التصديق بأنني هنا أحكي حكايتي عما حدث لي. وكما يقول المثل: ”كل شيء يحدث لسبب معين“. لذا فأنا حقّا مؤمنة بأن ما حدث لي طوال سنتين كان لسبب معين، ألا وهو أن أشارك قصّتي معكم.

امرأة في أواخر الثلاثينات، متزوجة ولها أطفال. امرأة أتيحت لها فرصة العيش من جديد، أتيحت لها الفرصة لأن تحب الحياة مرةّ أخرى، وتعرف معنى أن تستيقظ في كل يوم جديد، وأنت ما زلت على قيد الحياة تتنفس وبصحة جيدة. مضت أكثر من ثلاث سنوات دون وجود لأي شيء يسمى بالسرطان في جسمي، بعد مكافحة له طالت تقريبا سنتين. ومع أنّ معدل الوفيات لهذا المرض يرتفع في كلّ مرة، إلا أنني أعتبر نفسي من المحظوظين الذين قدّر لهم أن يعيشوا مرة ثانية.

نعم ما زلت على قيد الحياة! لم تكن هناك عبارات أو كلمات محطّمة للحياة أكثر من تلك التي كان يخبرني بها الطبيب وهو يصف المرض الذي أعاني منه، ولا يمكنني أن أصف حالتي وقتها إلا بأنني كنت مصدومة وفي نفس الوقت كنت أشعر بأنني مقبلة على مرحلة مليئة بالتحدي.

كان الجو حارا وقتها، بقي على عيد الفطر فقط أسبوع. متحمسة لقدوم أسرتي من أرض المهجر، كما أنني كنت قد حضّرت ولأول مرة كل شيء من حلويات، ملابس العيد الجديدة والهدايا أيضا. لأول مرة أنتهي من التحضير لكل شيء قبل أسبوع من انتهاء شهر رمضان. بعد انتهائي من تحضير آخر طبق للحلويات، شعرت بنوع من التعب، ذهبت لغرفتي لأخذ قسط من الراحة قبل السحور، فإذا بي أشعر بشيء في ثديي، لمسته وكان شيئا أشبه بكرة، لم أفكر كثيرا، علمت أنه هو. ذلك الشيء الذي كنت أخاف منه ها هو قد أتى. انخفضت درجة الحرارة في جسمي بشكل رهيب، وفي أشد الأيام حرّا شعرت بنوع البرد كما لو أن الثلج يتساقط فوقي. بعد دخول زوجي من العمل، لم أسأله عن شيء، كل ما فعلته هو أنني أخبرته بما أشعر. صحيح أنه شعر هو أيضا بنوع من الدهشة إلا أنه حاول أن يهدئ من روعي، و طأخبرني أنه علينا صباحا أن نذهب لزيارة طبيب. وأخبرني بأن كل شيء سيكون على يرام. لم أتناول وجبة السحور، بقيت جالسة أمام الطاولة لا يشغلني سوى ما أحسست به، وبما سيخبرني الطبيب غدا صباحا. لا أعرف كيف استطعت الانتظار للصباح، لم تذق عيناي النوم أبدا، كل ما كنت أفعله هو دعائي لله بأن يكون كل شيء بخير في الصباح.

شعرت بأن الحياة تريد أن تأخذني من أطفالي وزوجي. في الصباح الباكر أيقظت زوجي، قبّلت أبنائي وأخبرت ابنتي الكبرى أن تعتني بإخوتها جيدا. صحيح أن أسئلتهم كثرت ذلك الصباح، إلا أنني لم أجد أي جواب سوى قول عبارة ”سأعود قريبا، اهتمي بإخوتك…”. لم أتحدث طوال طريقنا إلى الطبيب، كل ما كان يدور في عقلي دعائي لله، وكلمة سرطان، لا شيء آخر. بعد دخولي للطبيب، سألني بالأعراض، وأخبرني بدون تردد أنه عليّ إجراء العملية بسرعة، ومن الأحسن أن أجريها اليوم قبل الغد. تسرّعه جعلني أشعر أن الأمر أصبح أكثر خطورة. أول شيء قمت به، هو اتصالي بابنتي وأمي، أخبرتهما بالأمر. كانت الصدمة واضحة على كلتيهما، واضحة من خلال صوتهما على الهاتف. وبالرغم من شعوري بضعف شديد، إلا أنني حاولت تهدئتهما وإخبارهما بأن كل شيء سيكون على ما يرام. بعد انتهاء المكاملة، بدأت الأسئلة السلبية تدور في بالي ”هل سأموت؟”، ”هل سأتركهم؟”، ”ما الذي سيحصل بأبنائي وزوجي؟”…هذا ليس وقت الذهاب، مازلت أريد البقاء مع أبنائي يالله، أريد أن أقف بجانبهم. أريد أن أراهم ينجحون ويفشلون.. لم تتح لي الفرصة أكثر لأبكي وأسمح أكثر لمشاعري السلبية أن تسيطر عليّ. كان عليّ أن أكون أكثر قوة وإيجابية أكثر. كان عليّ أن أستجمع كل ما أملك من قوة من جديد وأكون جاهزة للمعركة.

بعد استيقاظي من العملية، أتى الطبيب ليشرح لي الحالة بكل وضوح وصراحة، لكن جميع جمله كانت مليئة بالسلبية، لا أمل في العلاج…أغلق كل أبواب الأمل في وجهي. أخبرني أن الأمر صعب، مستحيل ومكلّف للغاية. كنت مستعدة لأن أعطي كلّ ما أملك في سبيل العيش وأن أشفى من هذا المرض الخبيث. بعد أسبوع لي في المشفى وأنا أفكر أيضا في ما سأفعله، بمساعدة من زوجي وعائلتي. توصّلت لحل، ألا وهو زيارة الأطباء المتواجدين في المنطقة، لعلّ أحدا منهم سيدلّني عن طريق علاجي. كنت أعلم في قرارة نفسي وبالرغم من كل ما أخبرني به الطبيب الأول، أن هناك طريقة للعلاج والشفاء، فكيف كل أولئك الأشخاص الذين وصلوا حافة الموت، ووجدوا أنفسهم يعودون للحياة؟ كيف حصلوا على تلك الفرصة؟

مرّ عيد الفطر حزينا، وبالرغم من محاولتي لأن أكون بخير على الأقل أمام أطفالي، إلا أن التعب وكثرة التفكير سيطر عليّ في النهاية. وبالرغم من ذلك، كان دعم عائلتي وأصدقائي أكبر من الحزن. كلماتهم وقصصهم الملهمة جعلتني أتفاءل بأنني سأكون بخير، وأنّ الأمر مجرد فترة وستمّر.

بعد مرور 10 أيام من العملية، بدأت بعملية زيارة الأطباء المختصين في المجال. كان الهدف واضحا بالنسبة لي، سؤالي لهم عن طريق واضح للعلاج وكيف أبدأ بخوض هاته المعركة وأن أربحها في النهاية. وبالطبع أملي بالله وبمن حولي لم يخيّبني، وجدت طبيبا ساعدني كثيرا بخصوص الأمر، حتى أنه أعطاني الأمل وجرعة من الإيجابية. أحسست أن الحياة تعطيني فرصة جديدة. في كلّ يوم جديد، كنت أستنشق جرعة من الأمل والفرح وسط المتاهة التي كنت أعيشها. أصبح باستطاعتي حينها أن أعترف أكثر بمستوى قوّتي ومثابرتي. بعد مرور فترة، كان الباب ينفتح أمامي رويدا رويدا، ذلك الباب الذي منحني القوة أكثر للاستمرار في رحلة محاربة المرض، من أجل أطفالي، زوجي ومن أجلي. كنت أعلم عواقب العلاج، كنت أعلم أن الأمر صعب وما بعد العلاج مرحلة أصعب، إلا أنّ إيماني بالله وبنفسي كان يكبر كل يوم أكثر. ومع مرور مزيد من الوقت والخضوع للعلاجات الاعتيادية المعتمدة (العلاج الكيميائي، والإشعاعي)، وجدت أيضا طرقا جديدة لإزالة تلك الأفكار السلبية.

لم أعتمد فقط على العلاج الطبّي المعروف، انتقلت من بين مجالات الطبّ البديل مثل الرياضة، الأكل الصحيّ أكثر (مكسرات، فواكه جافة، خضر، عصير…). أتذكّر لحد الساعة أنني أكلت وشربت أشياء، لو طلبت منّي أن أشربها وأنا في صحة جيدة لرفضت. كما ساهم تعرّفي أيضا على أشخاص مرّوا بالتجربة ذاتها، وخلق صداقات مع نساء مثلي يخضعون معي لنفس للعلاج. استطعنا سويا أن نعيد تحفيز أنفسنا ومساعدة بعضنا البعض على إعادة الثقة بأنفسنا. وبالرغم من كلّ هذا، كنت أعلم أن معركتي الحقيقية هي الحرب التي كنت أخوضها مع نفسي.

ما كان يحفّزني على العلاج والمواصلة مع الألم والتعب هم أسرتي الصغيرة، رغبتي الكبيرة في رؤيتهم يكبرون أمامي، يسقطون ويقومون من جديد وأنا بجانبهم. لذا من المهم أن تكون لديك أفكارك الإيجابية وأن تتذكر أن تطبقها في حياتك الخاصّة في الظروف التي تعاني فيها من مرض تعتقد أنه سيدمرك. إذا تخليت عن هذه الأفكار فإن عقلك سيحبطك ويهزمك أكثر من السرطان بحد ذاته.

مرّ في حياتي أشخاص كثيرون كانوا يحاربون ويخسرون على طول الطريق وبعضهم ما زال على قيد الحياة. لذلك وحتى هذا اليوم مازلت أقول لنفسي أن كلّ يوم هو يوم جديد، بفرص وتحديّات جديدة. ومازلت أذكر نفسي دائما أن أتعامل معه على هذا النحو. إنّ إدراك هذه النقطة كانت لحظة حاسمة ليس بالنسبة لي فقط، إنما لكل الأشخاص المتواجدين معي في دائرة الدعم والرعاية المحيطة بي بشكل مباشر. وأنا هنا أتحدث عن زوجي، أمي وأبي، أطفالي، إخوتي وكل الأطباء والممرضات…جميعهم كانوا مؤثرين في دفعي لبذل أكبر جهد ممكن في معركتي المحقة ضد نفسي.

في نهاية المطاف قام تصرفي الإيجابي بدور كبير في استمراريتي. لقد تعلمت من تشخيصي ومعركتي مع السرطان بأن الشخص الذي يعترض طريقك دائما هو أنت. ولقد وجدت ذلك صحيحا في كل مرة. مهما مررت من تجارب، وبغض النظر عما كنت تعاني منه سواء استئصالك لثديك، أورئتك أو فقدان لشعرك…فهناك كلمات يمكنك أن تتمسك بها وتبقيها دوما في ذهنك. إيماني بالله جعلني أشعر أيضا أنه أنعم علي لأنه أتاح لي فرصة لأشارك قصتي معكم.

اعلموا أن كل يوم جديد نعيشه هو هبة وفرصة جديدة لنا. عجزنا يأتي من داخلنا وليس من خسارة شيء منّا. لذا أخبر كل الناس من حولي وخصوصا المصابين بالسرطان: ”تذكروا أنكم تعيشون معه، ولستم تموتون بسببه.”