ذلك العالم الخفي

أكثر ما يؤثر في حياتنا غير مرئي، غير ملموس، يأسره الغموض تماما؛ هيئته مجهولة ولا تستطيع التفكير حتى في كيفية مواجهته والتصدي له أو الاحتماء منه، يربط حبلا بعنقك فلا تستطيع المقاومة بعدها. تخطط لرحلتك بهدوء، تحسب لكل طارئ ألف حساب، تجذف نحو هدفك بكل ما أوتيت من قوة، وبينما تصارع الأمواج، ينقلب قاربك رأسا على عقب، وتتغير رغبتك، هكذا فجأة، تختفي الرغبة في إتمام المسير، يتلاشى الحماس، بل قد تنتابك رغبة في تغيير الوجهة، أو ربما اللحاق بركب آخر.

غريبة هي الرغبات، تأتي وتختفي أحيانا دون سابق إنذار، تخوض غمارا طويلا، وتدرس بكد لسنوات طوال. وفي ذلك اليوم الموعود، اليوم الذي ينتظر الجميع فيه أن تبلغ سعادتك أوجها وقمتها، تأتيك حسرة لاسعة وغريبة، هاته ليست الطريق التي كنت تود رسمها لنفسك، ليست الطريق التي تناسبك! أحلامك مغايرة، نعم، لديك أحلام أخرى!

يخيل إليك أن أحدهم يسحب بساط حياتك من تحت قدميك رويدا رويدا، كل هذا بسبب اختيار خاطئ اتخذته في بداية المضمار، فتبدأ رحلتك في البحث عن بدائل تناسبك والانطلاق من الصفر ثانية.

تألف شخصا ما، ثم تنشأ بينكما علاقة ود وحميمية خالصة، يصبح وجوده في حياتك شيئا من الأولويات، اتصالاتكما اليومية تلك تصبح طقسا من طقوسكما المقدسة والتي تحرصان عليها بعناية فائقة. لكن، بغتة يرحل بحادثة مروعة أو مرض خبيث، قد تختلف الأسباب، لكنه يرحل في النهاية، فترحل معه بسمتك، وهكذا فجأة تتغير طقوسك، بل يتغير الكثير.

تتبنى نظاما صحيا مثاليا، تستيقظ في الصباح الباكر، لتمارس الرياضة بشكل دائم، يمر يومك بهدوء وسكينة، وتأخذ قسطك من الراحة كلما اقتضى الأمر ذلك، ومع مرور الأيام تصبح عاجزا، لا تستطيع اتباع نفس النظام، أنت الذي لطالما رددت عبارة: ’’هذا يحصل للغير وحسب!‘‘

تثق في صديق ما، وتبلغ صداقتكما أعلى المراتب، تصيران روحا واحدة، وتتواصلان عبر نظراتكما فقط؛ إذ لا حاجة لكما أبدا بمنهل الكلمات ذاك. تقطع وعدا على نفسك بأنك ستحتفظ بتلك الصداقة كماسة غالية تحميها من الشرور، لكن الخيبة تطرق بابك في أحد الأيام، وتكشف لك خبايا لم تكن في الحسبان، تكشف لك أن العلاقات المتينة نادرة، وأنك الوحيد الذي ما زال يتمسك بحبل الإنقاذ.

إنها خيبة الأمل والاحباط، ولا يظل بوسعك سوى ترك الحبل والمضي قدما في طريق أخرى. الندم، والمزاجية، وخيبات الأمل، والفقدان، والحسرة والتيه…جميعها تفتك بنا فتكا سيئا للغاية، تجعلنا نهترئ أحيانا، وننشطر إلى أطراف متطايرة. لكننا، مع ذلك، وبعد كل خيبة نبني ذرعا واقيا يجعلنا أقوى، يجعلنا نواجه بشكل أفضل في المرات المقبلة، وبشكل ما، نقلب كل خسارة ربحا ونتعايش مع ذلك العالم المظلم والخفي الذي يلازمنا وسيظل يلازمنا بطريقة أو بأخرى.