رمضان الذي في خاطري ١

1 1٬102
 أعجز دائما عن إيجاد تلك الفرحة التي كانت تجتاحني أنا وأخي صغارا ونحن نتابع أخبار القناة المغربية الأولى ليزفنا مقدم الأخبار بابتسامة خجولة خبر حلول رمضان غذا بحسب رؤية الهلال، صرخات فرح بريئة نزف بها الخبر للمارة من خلال الشرفة “غذا رمضان غذا رمضان” وكأننا نحمل لهم خبر تحرير فلسطين، وقفزات وحركات بهلوانية نترجم بها فرحنا الصغير .. كان هذا رمضان الطفولة.




يمرالمرء خلال حياته بفترات كمون، تماما كالبذور في مراحل تكونها عندما تصبح عاجزة على النمو والإنبات لأسباب عديدة كعدم نضجها واكتمال تكوينها أو عدم نفاذيتها للماء أو لسبب فيسيلوجي آخر كعدم توازن الهرمونات المشجعة والمثبطة .. لتدخل في هذه مرحلة الكمون وهي عجز تام ويأس كامل في انتظار عوامل خارجية تعينها على الاكتمال كنقعها في الماء البارد أو الساخن أو اللجوء للطرق الكيميائية والمكيانيكية .. ورمضان للمسلم هو أهم عوامل تحريره من دوامة الكمون هذه. فداخل عالم يتماوج داخله الحق والباطل في حرب طويلة تعددت معاركها وتنوعت أسبابها، يجد الكائن البشري نفسه مجرد دمية تتقاذفه أهواءه ومشاريعه، أفكاره وهواجسه، يجري جري الوحوش في البرية تلبية لطلباته التي لا تفنى وأناه التي لا تشبع مستنزفا كل طاقاته لإثبات نفسه وتحقيق مآربه المادية متناسيا السر من وجوده والمغزى من خلقه ليصبح كائنا عاجزا يائسا في محتاج لإنقاذ فوري وإسعاف استعجالي .. فيأتي رمضان.





هذا الشهر ربما هو للبعض شهر صلوات كثيرة جدا وللآخرين ذكر وإحسان ولهذا أو تلكم ملذات وحلويات ورقائق بعسل دوار الشمس الشهي .. وربما هو عند شريحة من الناس شهر الزيارات والولائم ومشاركة الأهل والأحباب ليالي السهر الطويلة، أما أنا فأكثر ما يستهويني خلال هذا الشهر هو النظر، نعم النظر إلى الوجوه الشاحبة التي تركت شهوتها تلبية لأمر إلهي، والنظر إلى الشمس التي تغرب لتزف للناس نهاية إمساكهم، وإلى الصفوف المتراصة داخل مسجد ضيق، النظر لتلك اللحمة التي تجمع الأغراب فتتلاقى أكتافهم وأقدامهم كل يوم يرددون صلوات ودعوات يتمنون تحقيقها .. لا أدري إن كان منكم من جرب تأمل المصلين وكل سائح في عالمه الخاص، عواجز وفتيات، وكل واحدة جائت بسلسلة أدعية رتبتها حسب الأولوية والإشتياق، تختار كلٌ مكانا مريحا تعدل فيه جلستها وترفع يدين أرهقتهما أعمال المطبخ التي لا تنتهي تدعو وتدعو، والكل موقن أن الله يسمع منه هو وحده قبل غيره، هل تأملت يوما منظر الشوارع الفارغة أثناء الإفطار، هل جربت أن تصرخ في شارع رئيسي وحدك ولا يعيرك أحد أدنى اهتمام!؟ فالكل مشغول إما بساعة الإجابة أو بمائدة الإغاثة .. هل فكرت كيف سيكون الحال لو أنك فعلا تعيش في مدينة خالية كتلك، ما هو أول عمل ستقوم به!؟ .. رمضان هو الشهر الوحيد الذي تكون فيه الشمس مهمة جدا فغروبها وشروقها قضية ترقب وانتظار أمة .. فهل انتظرت الغروب يوما بتلك الجدية !؟ هل هو أمر عادي .. أم أنه لا وجود لشيء عادي .. وهل النملة التي تمر الآن بجانبي تبحث عن السكر هي شيء عادي!؟ أم كل شيء يستحق منا إمعان النظر فيه .. وأهمها رمضان.
أسئلة كثيرة لا أنتظر لها إجابة .. بل فقط نشوة التساؤل.
فرصة من فرح ممزوج بصبر ورجاء، رمضان شهر الفكرة والتأمل، تأمل أحوال العالم الذي يغلي حولنا وتأمل هذه النفوس التي تبحث عن سكينة وسلام وهي صائمة تاركة شهوتها ملبية نداء الجمال .. جهاد بريكي
مقالات مرتبطة