على إنسانيتنا السلام!

مازلت أتذكر بحماس كبير جدي – رحمه الله- وهو يحكي لي مشاركته في حرب الجولان وفلسطين إلى جانب القوات السورية والمصرية، يوم قام حافظ الأسد بتحيتهم في خطابه الشهير هذا، كان يحكي لي ويداه ترتعشان كيف سطرت الدول ساعتها ملاحم البطولة مع كل مشاهد الضعف والتخلي والخذلان…

يحضرني هذا المشهد باستمرار كلما تذكرت كتاباتنا البائسة لدعم أي من قضايا اليوم، كأننا تلقينا جرعات متتالية عبر التاريخ لنصير أكثر تطبعا مع الهزيمة والقتل والضياع.

فقبل عقود كنا نقف وقفة المحارب مع من ظُلم منا، فنرسل الجند والعتاد لدعمهم…وبعدها كنا نوقف تصدير البترول حتى ندافع عنهم ونرغم العدو على التنازل والانسحاب…وبمرور الوقت صرنا نستدعي السفراء ونقطع العلاقات الدبلوماسية ونعقد القمم لخدمة قضاياهم..

بعدها أصبحنا نكتفي بإصدار بيانات التنديد والشجب والمطالبة..

ثم احترف الشعراءُ إلقاء القصائد، والإذاعاتُ بث الأغاني الحماسية واجتمع الفنانون في أغنيات قومية كالحلم العربي والضمير العربي…

لتلتزم بعدها الجهات الرسمية الصمت شيئا فشيئا، وتخرج الشعوب في مسيراتها المليونية وتجمع التبرعات وتحرق الأعلام وتنشئ المنظمات…

ومع استمرار الحروب وسقوط الأوطان وظهور وسائل التواصل الاجتماعي، بتنا ننشر الهشتاغات ونغير صور حساباتنا دعما للقضية واحتجاجا على تشرد العباد وموت الأطفال…

أما اليوم، فحتى هذه الحركات البائسة لم نعد نقوم بها، وبتنا بكل بساطة نتجاهل ما يحدث لنتتبع الفضائح المحلية ونكتفي بالسخرية والضحك والتبرير.

وحتى لا نبدو لأنفسنا ضعفاء فاشلين، كنا في كل مرحلة من هذه المراحل نغير توجهاتنا لتلائم مواقفنا مع كل هزيمة، فانتقلنا من خطاب الدين والأمة الإسلامية إلى الحديث عن القومية العربية، ثم بعدها رفعنا شعار الوطنية، ثم بعدها أصبح كل يدافع عن جهته ومنطقته، لنصير غير معنيين بنضال الريفيين ولا غرق الصحراويين ولا موت الأطلسين بالصقيع، فصارت الكرامة مجرد وجهة نظر، وظهر جيل يرفع شعار الإنسانية حيث يترفع عن كل شيء وهو بذلك لا يجعل نضاله عالميا بقدر ما يضيق أنانيته أكثر فأكثر.

وبعد أن صرنا أكثر تقبلا لكل أشكال الظلم وانتشاراته الجغرافية، وبعد أن تجرعنا كأس الذل حتى ثمالته، لم يعد أمامنا سوى الصمت واستهلاك تلك التفاهات التي تثقل أيامنا. ربما لن نملك شيئا نحكيه لأحفادنا سوى هذه التفاهات وصور حساباتنا التي كنا نغيرها ومثل هذه المنشورات التي كنا نكتبها يومَ كان أطفال العالم يحرقون ويغرقون في كل بقاعه…

فعلينا وعلى إنسانيتنا السلام…