فاعمَل أنّه لا إله إلا الله

25

الرّسول عليه الصلاة والسلام في رِحلَته الأُولى بعدَ الوَحي الأول والأمرُ الأول بإقرَأ، كانَ لزاماً أن يُخرِجَ الدّعوة للوجود، ومَا كانَ  يُحارِب لشيءٍ إلاّ لدعوَة أن لاَ إله إلا الله الحَرفية بلا نُقط تفصل ولاَ شك يَصل. وَالعرب في الجاهِلية وَحين قُدوم الإسلام كانوا أصحَاب لسانٍ عَربي فَصيح، تَمَلكتهم اللغة وسَلبت لُبّهم حدّ التّعمق أَن يَعيشوا مَع الكلمة.

فالرسول عليه الصلاة والسلام حِين سَألوه مَاهي إِرَادتك؟ لم يخبرهم بجاهٍ أو مال أو مَشاغل الحَياة الفَانية، سِوى النّطق بكلمةٍ واحدة أن يّشهدوا أن لاَ إله إلا الله، بِمعنى آخر وَمُفصل قليلا، أن يُقِروا أَن لاَ حاكِمية لِغيرَ الله، وأنّ الله مُتَصرّف في الرّياح والسّحاب والشّمس وَالقمر وَكل الكون، وَكل ذرّة حيّة وحتّى المَيتة، وَمن ثَمّة فِيهم هُم كبار قُريش وَفي أنَاهم وتَكبّرهم وَأموَالهم وَتصرِيفها فِي الأرض وَخُطوتهم، وَتعَامُلهم معَ العَبيد وَالعَدل بَينهم بما يُنزل الله ويأمُر وينَهى.

فَآل قريش بِتشرّبِهم  العَميق للغة العربية وَ منذُ ولادتهم، كَانوا وَاعِيين بِمدى جِدية الأمر وأنّها انتهاءٌ لسُلطَوِيتهم وَحَاكِميّتهم  وتَمثيليّتهم وظُلمهم، وهم لذلك لم يَرضَخوا ويُطيعوا كلاَم أمِينهم صَادقهم مع أنهم يعرفونه صل الله عليه وسلم. ولذلك حَاربوه بما أوتُوا من قوة مُطمَئنين أنّ الغلبة  للجَاه والآنا والسّلطة أمام ضُعفِ ثلّة الأوّلين الذين كَان سِلاحهم كَلمة لا إله إلاّ الله، وَكيف تَفوز كلمةٌ صغيرة لاَ وجود لهَا أمَام جاهٍ ومال كثيرٍ يُحقق اكتفاءً ذاتياًّ أمَام ما يدعي محمد(صلوات ربي و سلام  عليه)؟

كَان كبار قريش فِي البداية لا يُعيرون اهْتماما لِقلة عدد تلك الثلة الأولية، لَم يعرِفوا أنّ ذَلك الوَباء أَجمَل وباءٍ سَتَعرفه العَرب، يَتَسلّل قليلاً قليلاً لِكي يَنفَجر وَيدخُل إلى عقر دَارهم وَيُشَتت أصنَامهم وَيُكسّرها تكسيراً حتّى لاَ يجِدوا قوّةً ولاَ حيلةً ويَتخبّطوا فِي خُسرَانهم الشّديد مرّة تلو الأخرى، وَإن كان لهم فوزٌ صغير فلاَ يكادُ يَكون إلاّ فتحاً لمكة عما قريب.

مَن يَرى المَشهد هنا يَرَاه بِعَين البَسَاطَة دُون تَعمّق، أَي نعم الغَلبة لله وجنوده، وَبالله يأتي النصر أولاً لاَ بالأسلحة. لكنّ الأمر أكبرُ مِن أن يَكون مَرئِيا أقربَ إلَى عِلم الغَيب، فنحن نتحدث عن أن إيماناً فِي القَلب وَحده كسَر الجَاهلية التِي كَانت عمادًا لقُريش آنذاك،  وقضَى علَيها في الجزيرة العربية. وكلمة لا إله إلا الله، التِي استقرّت فِي نُفوس الصّحابة مِثلهم مثل مُلوك قريش، كانوا يعلمون ماهيّتها ويعملون بِها مِن أوّل اللام إلى آخر هاء في الكلمة. نَبينا محمد صل الله عليه والذين مَعه لم يكن لهم جاه يُعينهم بل روح الله، لم يكن لهم جنودٌ كُثر وَأدوات حربٍ  في ذلك الوقت إلاّ جُند الله، لَم يَكن لَهم مُعين مِن صديق إلا أحبّاء الله “رُحَمَاءُ بَينَهم”، أَصبح تنفّسهم لله كما تُقرّ الشّهادة حتماً.

الوَاقف عِند قِصة آل قريش وَبعثِ نَبيّ الله محمد وَكيف أنه بِدين الإسلام أخرجَ الناسَ مِن الظّلمات إِلى النّور، يَعرف أنّ الظّلمات مفردٌ  للجاهلية، أَي أنّ مَا دُون الإسلاَم وَدون استقرارٍ للا إله إلا الله فِي القَلب جاهلية، فالجاهلية ليسَت جهلاً بعلمٍ دُنيَوي معين، بَل بِعدم الوُصول بِذلك العِلم لله، كَيفما كان العلم، فكلّ شيء يُؤدي لله مِن خُطَوات القَدم إِلى أَصعَب المَسائل الرّياضِية إِلى الرّوح التي لاَ تبين  للناس. يقول سيد قطب: “إِن الإسلامَ لاَ يقبل أَنصَاف الحُلول معَ الجَاهلِية. لاَ مِن نَاحية التّصور، وَ لَا مِن نَاحية الأَوضَاع المُنبَثقة مِن هَذا التّصور… فإما إسلامٌ وإمّا جاهلية. وَ لَيس هُنَالك وضعٌ آخر نِصفه إسلامٌ ونصفهُ جاهلية، يَقبله الإسلام وَيَرضاه. فَنظرة الإسلامِ وَاضحة فِي أنّ الحقّ واحد لا يَتعدّد، وأنّ ما عدَا هذَا الحق  فهو الضلال. وهُما غير قابلين للتّلبس والإِمتزاج. وأنه إما حُكم الله وإمّا حُكم الجاهلية، وإما شريعة الله وإما الهوى… “

وَفي وقتنا  الحالي الآن، فَقدنا العلم بلا إله إلا الله كما يجب، فكيف بالعمل بها، والعلم لا ينفصل عن العمل، فالعلم بالله عمل بحد ذاته ونواتجه أعمال أخرى  تصب في العلم بالله، استلزامان اثنان الواحد يؤدي للآخر والعكس أيضا. والعلم بالله علم لله ومن الله وإليه أيضا، في كل حرف جرٍّ تكليف وربما تشريف لمن أراد الله أن يُشَرّفه.

الإحساسُ بالكلمة لاَ يتطلّب النّطق بِها فقط، فنَحن لمَ نظل على اللّبنة الأُولى أَي على اللغة العربية الأصيلة، وَعَلى مَا كَان لِلجَاهلية قبلَ الإسلام “إنّما بُعثت لأُتمم  مَكَارم الأَخلاق”، وَإنّما يتَطلّب حُضورَ وَعيٍ وَاستِحضَار قلبٍ ورُوح في الشّهادة حِين نُطقِهَا، فَهي لِوحدها دُون الآخَرين تُثقل المِيزان فَقط لِقولها، أي بالجَوارح وَدون استهتار أو سُخرية أو سَهو. فعمر رضي  الله عنه الشّديد العَادل لم ينطِق بها إلاّ عِندما عَرف معناهَا وحَدّد مَكَانَتها وآمَنَ بِقدسيّتهَا وَمَا ستؤول إليه حياتُه بَعدَها، حتّى تَحركت نَفسه وَآلمته وعَلم مِنها خُبثاً وَوسوَسة، كَان يَعلم أنّ فِي جَوفه تَناقض وَأنّ رُوحه تُريد السّمو لِشيء أكبرَ مِن الأَصنَام وَما كَان يعبدُ وَ من الخَمر والجاهلية، كَان يعْلم أنّ الدّين الجَديد فيه من  الشّيء الذي يُخرجه عَن طَوعِه وَيُعيد تَشكِيله، لَم يَكن يَدري أنّه يُخبز وَيعَاد مِن الداخل، لَم يكن يعلَم أنّ جَوَارحه تُعاد إِلى فِطرتها الأولى إلى لا إله الا الله، وَ تَنقاد عَليه وتَقضي عَلى أَناه، وفِي عُمَر مَلَكة اختفت الآن وَهي الصّدق في الكلام والعَمل بالإيمان وذلك مَا جعله يَستَسلم عِندما سَمِع أّول آيات سورة طه “مَا أنزَلنَا عَليكَ القُرآنَ لِتَشقَى” ، فالإسلام لَم يَأتي لِشَقائك يا عُمر ولكن لنُصرتك وهِدايتك، “فَاخْلَع نَعلَيك إنّك بالوَادي المُقدّس”، فَحينها  طَلبت أخته أن يَتوضّأ لِيَحمل المُصحف وَ يقرأ كمَا طلب الله مِن مُوسى خَلع نَعليه وبذلك أقرّ الشّهادة قلباً وقالباً، عِلما وعمَلا، روحا وجوارحا.

إنّ عَمَلنا الآن وَفي ظِل الحَدَاثَة والعَولمة والفِتن، الّتمسُّك فقط بالشّهادة فَهي مِفتاحُ الطريق الوَحيد الذِي به يمكن الولوج لله، فَأن يَستسلِم قَلبك ويسلم بالأمر ويصبر ويحتسب لله لَخيرٌ له من حرب داخلية لا تأتي بنفع له إلا أذى. فالإقرار التّام بالشهادَة يفتح أبوابَ خيرَات لم تَكن في الحسبان “هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب”، فحَسْبُ المُؤمن ربّه أَن يُؤنَس به وبِشَهادته ودِينه   وقُرآنه عَن العَالمين ليُرزق الجنة، ففي جَوفنا عالمٌ أَكبر مِن أن نَستَهين به، لاَ نَراه لأنّنا فِي حيرةٍ من أمرِنا لاَ نعلم الطّريق بعد، مغشِيّ عَلينا من دُنيا تُلهينا حتى تُفقدَنا وَعيَنا، يَقول ابن تيمية: “مَاذا يَصنَع بِي أَعدَائي؟ جنّتي وَ بُستَاني فِي صَدرِي أَينمَا ذهبت أحمِلهما مَعي سِجني خُلوة وَ نفِيي سِياحة وَ قتلي شَهادة”، وَسَيدنا ابن تَيمية و باقي الشيوخ وحتّى الأنبياء فِي سِجنهم أَو ابتلاءهم كَانوا  يُدركون أنّ النّصرَ قادِم لاَ محالة بماَ أنّهم يحمِلون الحَق فِي قلوبهم، بِما أنّهم يَحملون الله إله إلا الله وَيعملون بها قلباً وقالباً، مِن صلاةٍ وذكرٍ ثمّ تعبّد وعفوٍ وإصلاحٍ وتوبة دائمة… وَبِذلك انتصروا علينَا بما أنهم يحملون في أيديهم القوة وَالدعاء قبل السلاح.

يقول  الله جل جلاله قال الله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ  مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ  اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}، قد روي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “لو أخذ الناس كلهم بهذه الآية لكفتهم”، أي أنَا أَكفِيك يَا ابنَ آدم وَعبادتي والإقرار بي والشّهادة بِي والعَمل بِها مَا  دمتَ حيّا يَأتيك رزقها حتّى وأنت ميت.