فوبيا اللغة في النظام التعليمي العربي

139

نحو تأصيل لاكتساب اللغة بين ابن خلدون والفيلسوف نعوم تشومسكي
تشكل اللغة مكونا هاما من مكونات الثقافة والحضارة الإنسانية والهوية، ذلك أن بين اللغة والثقافة علاقة حميمية؛ فاللغة لا يمكن إلا أن تنتج ثقافة، ولابد لهذه الثقافة من وعاء لغوي تعتمده. وفي سياق الحديث عن تعلم اللغات فقد حاولت العديد من نظريات علم نفس النمو تفسير الظاهرة اللغوية عند الطفل وجعلت منها جزءا للبناء الداخلي للمعرفة، خصوصا النظريات الحديثة التي تركز على تفاعل الذات مع موضوع التعلم، وقد تحدث جون بياجي في النظرية التكوينية البنائية بعد تقسيمه لمراحل النمو عن مرحلة التعلم باللغة. كما تحدث الفيلسوف نعوم تشومسكي صاحب النظرية التوليدية عن اللغة في التعلم.

مقالات مرتبطة

والخلاف في فطرية اللغة واكتسابها خلاف قديم، من العلماء من حاول التأصيل لهذا الموضوع من القرآن الكريم والسنة النبوية وذلك في حديث الفطرة؛ حيث قيل إنها تصدق على الدين كما تصدق على اللغة،

أما ابن خلدون فيرى أن اللغات هي ملكات شبيهة بالصناعة يقول: “إلا أن اللغات لما كانت ملكات كما مر كان تعلمها ممكنا شأن سائر الملكات.”[1]

فالحديث إذن عن إمكانية تعلم اللغات من خلال نص ابن خلدون جواب عن سؤال خفي يستبطن اقتضاءً صعوباتها وإشكالات تطويرها.

وإذ تقرر ذلك جاءت فكرة هذا المقال لمعالجة هذا الإشكال من زاوية دور مدرس اللغة وتعددية الكفايات التي ينبغي أن يمتلكها، خاصة وأن المواثيق التربوية في الأنظمة التعليمية تجعل نصب عيْنيها مُكَون اللغة كمدخل أساس لكسب رهان الجودة من خلال اعتماد هندسة لغوية محكمة.

إن تجربة المتعلم العربي في تعلم اللغة الأجنبية أسفرت عن فشل ذريع، حيث شكلت له أمراضا نفسية وولدت لديه فوبيا لغوية يحكم بها على استحالة فعل الاكتساب والتعلم، ذلك أولا أن طبيعة أي لغة أن تكتنف الصعوبةُ تعلمَها في البداية، الأمر الذي يجعل تدريس اللغات أمرا معقدا ويطرح تحديات أمام من ينتصب لهذه المهمة. ثم إن شرط الدافعية وحده لا يكفي لتعلم لغة أجنبية جديدة. فضلا عن أننا وفي جميع الأحوال، لا نقارن في المهارة اللغوية باعتبارها درجة إتقان يحصلها المتعلم بعد الاكتساب بين اللغة الأم واللغة الثانية،

كما يقول ابن خلدون: “إن الملكة إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة…وانظر إلى من تقدم له شيء من العُجمة كيف يكون قاصرا في اللسان العربي…وكذلك البربري والرومي والإفرنجي…وما ذلك إلا لما سبق إلى ألسنتهم من ملكة اللسان الٱخر.” [2]

لقد فشل التعليم العربي في رافعة اللغات الأجنبية نتيجة تضافر عدة عوامل: منها ما يرجع إلى البرامج والمناهج المخصصة لتدريس اللغات التي لا تبني في المتعلم المقدرة على التواصل، ومنها ما يرجع إلى ضعف الكفاءات المهنية لأطر التدريس ما يجعل المتعلم ينتقل من مرحلة دراسية إلى أخرى برصيد لغوي هزيل، بالإضافة إلى التجاهل التام لعلم النفس اللغوي كأحد الفروع الحديثة لعلم النفس، والذي تَولدَ عن تقاطع علم النفس مع اللغة، وكذا سكولوجيا الطفل والنظريات التربوية، وهذا ما يفسر التساؤل المطروح دائما عن سر كره المتعلم لزَمن التعلم المخصص للغات الأجنبية وسر كرهه لمدرس اللغات.

إن الأمر لا يعدو أن يكون نفسيا، إذ إن الأسباب المذكورة أعلاه والتي تعيق تعلم لغة أجنبية جديدة تفرض على مدرس اللغات مزيدا من الاجتهاد في الإحاطة بمختلف جوانب شخصية المتعلم، واحتياجاته، ورغباته، وصعوباته وانتظاراته. لأن عجز المتعلم عن اكتساب ملكة لسان جديد تجعله يتبنى تمثلات سلبية عن هذه المعرفة الجديدة. وكل هذا سبب في التخوف وتراجع نسبة التحصيل والاهتمام. ويزيد الأمر تعقيدا قسوة المدرس وجهله بفنون التربية والتدريس، مما يكرس فوبيا اللغة لدى المتعلم العربي، ويُحبط محاولة اللُّحوق بتجربة وركْب البلدان الصاعدة في هذا المجال.

[1] المقدمة ص :259.
[2] الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون ص: 40.