في جوف الليل .. تهب نسائم الذكريات

بعد  الساعة الثانية عشرة صباحاً، حيث سكون الليل، وصمت الضوضاء، وهدوء النفس، وراحة البال، وطمأنينة الروح، تهب علي الشخص نسمات الذكريات سواء كانت حزينة أم سعيدة.

في  هذا الوقت تتركك الأسرة، ويذهب الصديق، لتُحلق بك هذه الذكريات بعيداً عن الواقع، تؤلمك بعضها وترسم الابتسامة على وجهك أخرى، الكل منا مر بذكريات صعبة لا تُنسى تعلّم منها الكثير وأخرى جميلة تود أن يعيدها الزمن لتعيش تلك اللحظات مرة أخرى.

الطفولة أجمل الذكريات، كما أجمع على ذلك كثيرون، فقد كنت لا تنعي هماً ولا تفكر في عبئ ولا تحمل مسؤولية ولا تحزن عن شيء أبداً، فالحياة سهلة ليس بها مشاكل أو جهد أو تعب، إنما هي رفاهية، وضحكات متتالية، وأنغام تعزف، وألوان ترسم، كالمتفائل الذي لا يعرف التشاؤم، والناجح الذي لا يرى الفشل، يقول الشاعر:

“ارجع زمان الأمس من صفحاتي    ما أجمل الأيام بعد فوات
ذكرى يعود إلى الفؤاد حنينها دوماً    إذا ذاق الفؤاد بآهات
زمن تولى من ربيع حياتنا    في ظله ما أجمل الأوقات
نلهو ونمرح والسعادة عندنا    ما أصدق البسمات والضحكات
نجري ونجري ليس ندري أنها    تجري بنا الأعمار في الساعات
ونلاعب المطر الخفيف إذا أتى    وعلى اليدين تساقط القطرات
نبكي ونضحك تلك حال طفولة    ونصدق الأفعال والكلمات
ما أجمل الأيام تمضي غفلةً    زمن الصفاء يمر في  عجلات”

هل تذكر عندما  ذهبت إلى المدرسة في أول مرة كنت تظن أنها الحملُ الكبير والعمل الشديد، ولكن بعد مرورك بالمرحلة الابتدائية ودخولك بالمرحلة الإعدادية ثم المرحلة الثانوية لتنتهي أخيراً بالمرحلة الجامعية، وتصبح صاحب مسؤولية، وتُطلب منك  أشياء لم تطلب منك من قبل، تجد أن كل مرحلة أسهل من التي تليها وأن الأعباء تكثُر والحمل يثقُل والمسؤولية تزيد، تتمنى أن ترجع لسابق  عهدك.

مقالات مرتبطة

 

الواقع يصبح ماضي ثم ذكرى، قلبك يحن لذكريات كثيرة تتمنى أن تعود مرة أخرى، ذلك البيت الذي نشأت فيه صغيراً، والمسجد الذي صاحبك إليه والدك، والشارع الذي لعبت فيه مع أبناء الجيران، والأماكن التي ذهبت إليها مع أصدقائك، في هذا الصدد يقول الشاعر:

“لا  شيء فِي الدُّنيا أَحَبُّ لِنَاظِرِي   مِن مَنظَرِ الخِلانِ والأَصحَابِ
وأَلَذُّ مُوسِيقى تَسر مَسَامِعِي   صَوْتُ البَشِيرِ بِعَوْدَةِ الأَحبَاب”

لا شك أن مرورك بذكريات حزينة تفاصيلها صعبة في تذكرها، شديدة في وصفها، كفراق الأحبة وفقدان الأصدقاء وبعد الأقارب، تنظر حولك ترى كل ما تعودت عليه ذهب ولم يعد. أين أهلك الذين تعودت على وجودهم بجانبك طوال الوقت، وأين الصديق الذي كنت معه ليل نهار، وأين الأماكن التي كنت تسير فيها دائما. الزمن قاسي والوقت يمضي بغير رجعة ولا يعترف بحنين المُحب ولا إخلاص الصديق. تتذكر كل هذا فتفيض عيناك من الدمع لتريح القلب وتهون على نفسك.

في جوف الليل الصمت هو السائد والتفكير هو الغالب، لا تنظر لماضيك ولكن فكر في مستقبلك، اجعل ذكرياتك القديمة سواء كانت حزينة أم سعيدة عبرة لك، وهدفاً للوصول إلى الأفضل، لا تسمح لذكرى حزينة بأن تكسرك بل اجعلها مصدر قوة لك تزيدك عزما وإصراراً، لتسير على الدرب الصحيح والهدف السامي والطريق المرغوب.

لا تهرب من ذكرياتك السيئة ولكن اجعلها نقطة تحول لك، تغيرك للأفضل، تقويك ولا تضعفك، تزيد عزيمتك ولا تهزمك، واجعل ذكرياتك الجميلة تنبض دائماً  بداخلك لتعطيك طاقة وقوة وعزيمة تستمر بها على الطريق الصحيح الذي يجعلك تحقق أهدافك السامية.