في كل محنة منحة

162

عندما كنت طفلة كانت مواقف جدتي العزيزة تبدو لي في أغلب الأوقات غريبة وغير متناسقة مع سياق الأحداث، ذلك لأنها كانت تواجه كل المشاكل والمصائب التي تحدث بقلب مطمئن وتردد في كل مرة لعله خير، في جملتها الشهيرة التي لا تمل من تكرارها مرارا على الجميع وأمام أي حدث عَرضي أو مشكلة مستجدة، فتحمد الله عليها ثم تقول بيقين: “فيها خير”…وصدقا، آنذاك لم أكن أفهم أي شيء وكان يبدو لي الأمر وكأنه العبث المطلق، فأي خير سيأتي من مرض أحد الأحباب، أو مروره بضائقة ما، أو حتى موته المفاجئ الذي يكسر القلب، أي خير هذا الذي كانت تراه في حدث مؤلم ومحزن، ولم أكن أنا أستطيع تبين موضعه مع عقلي الصغير، ولا حتى احتمال وجوده في بلاء ومصيبة قاسية، تبدو لي للوهلة الأولى كعقاب فقط…لكن الآن، وبعد أن نضج العقل وتراكمت فيه التجارب والسنوات، أدركت متأخرة حكمتها وبصيرتها الواسعة ويقينها العميق بالله تعالى وبقضائه وقدره، واتضح لي المعنى الحقيقي لتلك الجملة التي تركتها كميراث لنا بعد رحيلها عنا، فبتنا نتذكرها -رحمة الله عليها- بمقولتها الشهيرة عند كل بلاء وشدة تواجهنا، وهكذا نُقشت على مر الأيام في صدر كل منا.

وما جعلني أتذكر كل هذا الآن هو الوضع الحالي الذي يتقاسمه العالم أجمع، وهذه الجائحة الوبائية التي تواجهها أغلبية الدول بتحدياتها وتداعياتها الاجتماعية، والاقتصادية والصحية وتأمل الخروج منها بأقل الخسائر…فلحد الساعة الكل متأثر بهذه المِحنة الصحية، خسائر بشرية، ووفيات يومية، وإصابات جديدة حول العالم بالمئات، ولا فرق لدى هذا الفيروس بين دولة قوية أو ضعيفة فهو يضرب الكل وبشدة، وليس لنا حاليا حل سوى الدعاء والوقاية في ظل غياب لقاح ناجع واعتماد العلاج على المناعة الشخصية فقط… فكل الأنظمة تستنفر جهودها للتصدي لهذا البلاء، كُل بمقوماته الخاصة التي تُؤكد يوما بعد يوم أن الوضع سيء، وأن البشرية تتقاسم نفس المصير إذا لم تتظافر الجهود ويَعم التضامن وسط الشعوب.

وفي ظل كل هذا لم يخطر ببالي سوى مقولة جدتي وسؤال فضوليl حول ماذا إذا كانت جدتي لا تزال حية، هل كانت ستقول جملتها الشهيرة “فيها خير” في وجه هذا الوباء ضاربة عرض الحائط ذُعر الجميع بيقينها الخالص! أعتقد أنها كانت ستفعل رحمة الله عليها لأنني أشعر الآن بعمق النظر والبصيرة التي كانت تتحلى بها والتي تعلمت منها القليل… ولست هنا لأنكر الأضرار أو أن أتجاهلها، بل هذا المرض وباء عالمي يجب أن يؤخذ على محمل الجد، فالكثيرون قد فقدوا أحباءهم وذويهم بسببه بينما أصيب الكثيرون، ناهيك عن الخسائر المادية المهولة الذي يخلفها، والتضحيات التي يبذلها مهنيو قطاع الصحة من ممرضين وأطباء في كل البلدان، وسهرهم على رعاية المواطنين وحصر الفيروس بالتعاون مع كل الفاعلين دولة وأفرادا.

مقالات مرتبطة

أريد أن أفتح الرؤية على فلسفة “في كل شر خير “وعلى المنحة التي جلبتها هذه المحنة أو لنقل الخير المستتر فيها، فإن تأملنا الأمر بروية سنجد:

أولا: ضرورة تعاون البلدان مع بعضها البعض، ووضع الخلافات جانبا في الوقت الحالي، لأن -شئنا أم أبينا- المصائب توحد الشعوب والأفراد، بينما يعمل الرخاء دائما على تفريقهم، فوقت الشد يكون الجميع يدا واحدة، يتكافلون ويتضامنون ويمدون يد المساعدة، ومن هنا يظهر الجوهر الحقيقي للبعض، بينما تنكشف وتسقط أقنعة البعض الآخر، وكما يقول المثل فالصديق وقت الضيق.

ثانيا: هذا الوباء هو امتحان لكل المنظومات الصحية وفُرصة لإعادة النظر فيها، خصوصا تلك المنظومات التي أهملتها بلدانها لمدة طويلة كما الحال لدينا! أجل إنها الفرصة المناسبة لتقوية القطاع الصحي وإيلائه العناية اللائقة، به لكي ينفعنا في أوقات الشدة كهذه التي نحن بصدد مواجهتها، ومراجعة الميزانية الشحيحة التي تُرصد له كل سنة والتي لا ترقى أبدا إلى المرتبة اللازمة لتطوير القطاع وتقويته، سواء على مستوى المرافق والتجهيزات الطبية أو مستوى الموارد البشرية من أطقم طبية وتمريضية كافية.

ثالثا: هذا الوباء وكما نقول هو شدة الأذن المؤلمة للبشرية، وهو تحذير واضح من الطبيعة للمخلوقات البشرية التي لم تترك كائنا حيا يعيش في سلام إلا واقتحمت حدوده الخاصة، واستغلته بشتى الوسائل من الاصطياد وبيعه في الأسواق إلى وضعه مع الصلصة في الأطباق! فلم يستغربون عندما تجد هذه الفيروسات طريقا لهم وهم السباقون في الظلم! لذا، فقد كان تحذيرا صريحا لكي لا يتم التلاعب بالتوازن القائم وتدمير السلاسل الغذائية الطبيعة. ومن جهة أخرى، فهو إنذار إلى كل المختبرات التي تتلاعب بالفيروسات وتلك التي تطور أسلحة بيولوجية أن لا تتمادوا، فكل شيء قابل للخروج عن السيطرة خصوصا مع كل الطفرات التي تحصل على هذه الفيروسات، فتتحول من الخطورة إلى الفتك الشرس.

وأخيرا فما تخبئه هذه المحنة من منح متعددة ستظهر بعد انتهائها، أما الآن فليس لنا سوى الدعاء والوقاية حلا للمعضلة، وهي فرصة ليتفكر فيها كل واحد منا، ويراجع نفسه أثناء هذه الفترة، فالحكمة من البلاء هو الاتعاظ، وهذا تماما ما كانت تعنيه جدتي رحمها الله بـ “فيها خير”.