القلق : مرض العصر

من بين أكثر ما يخافه الناس في هذا الوقت وما يحسبون حسابه ألف مرة هو المرض، وذلك لأن – كما يقول المثل- الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء، لكن ما لا يعيرونه اهتماما على الرغم من الوعي المتزايد بهذا الجانب هو صحتهم النفسية التي تصاب هي أيضا بأمراض تؤثر على حياتهم، وقد تؤدي لأمراض جسدية أو عضوية على حد سواء.

ما هو مرض العصر؟ السرطان أو السكري أو الأنفلونزا بجميع أنواعها وآخرها فيروس كورونا الذي استنفر العالم لأجله؟ أظن أن هذه الأمراض على خطورتها إلا أنها تقل خطورة عن أمراض أخرى تتفشى في المجتمعات بصمت، فمن وجهة نظري مرض العصر هو القلق والتوتر اللذان يؤديان إلى الاكتئاب كقاتل صامت يحصد مئات الآلاف من الأرواح سنويا حسب منظمة الصحة العالمية، ويعاني منه ٣٠٠ مليون شخص حول العالم. إنه ثاني سبب رئيسي للوفيات بالنسبة للفئة العمرية ما بين ١٥ و ٢٩ سنة.

أما على مستوى البلاد فإن الإحصائيات لا تبشر بالخير؛ فوفقا لمعطيات رسمية لسنة ٢٠١٨، يعاني ٤٠% من المغاربة (الذين تفوق أعمارهم ١٥ عاما) من أمراض نفسية وعقلية، حسب ما كشف عنه وزير الصحة، أي قرابة ١٠ ملايين مغربي من أصل ٢٤ مليونا.

إننا نعيش في عالم به من المقومات ما يجعلنا نعيش بأمن وسلام ووئام، مقومات تسهل حياتنا وتقرب مسافاتنا وتعطينا من الفرص ما لم يكن متاحا لأجيال سبقتنا…لكننا في نفس الوقت نعايش ضغوطات نفسية ومشاكل شخصية ومهنية لم تكن موجودة في السابق، وهذه هي خصوصية العصر الحالي الذي نعيشه. وأبرز مثال على ازدواجية هذا العصر هو بلد اليابان، والذي تسنت لي زيارته في مارس من العام الماضي. شهدت بعيني ما لدى هذا البلد من المقومات والإمكانيات، ما نعجز نحن دول العالم الثالث عن تخيله، إمكانيات تكنولوجية ولوجستيكية وفنية لا يضاهيها شيء، بلد نظيف واقتصاد مزدهر وشعب خلوق. كل مقومات البلد السعيد موجودة لكن معدلات الانتحار تقول العكس؛ فالضغوطات التي يعاني منها هذا الشعب خصوصا في العمل تؤدي بهم إلى استهلاك الكحول بكثرة لأجل الخروج من حالة الضغط التي يعيشونها، كما أنهم من فرط التعب ينامون في القطارات كلما تسنت لهم الفرصة ويمكنهم أن يناموا واقفين كي يحصلوا على قسط قليل من الراحة. إن معظم حالات الانتحار بهذا البلد ترجع إلى الضغط النفسي والتوتر الذي يعيش فيه المواطن الياباني يوميا خصوصا في عمله، ومما اكتشفته لاحقا بعد مغادرتي لليابان هو وجود غابة بالقرب من جبل فوجي الشهير والتي أصبحت رسميا غابة الانتحار في البلاد.

ما ذكرته عن بلاد اليابان على سبيل المثال ينطبق على بلدان أخرى أيضا، إلا أنه كان أكبر مثال على التناقض الذي أشرت إليه سابقا، لذلك يجب على الإنسان اليوم أن يسعى إلى التوازن في حياته بين السعادة واليأس، بين الغنى والفقر، بين الجد واللهو…الخ. أما ما دفعني لكتابة هذا المقال فهو تجربتي الشخصية مع القلق والتوتر الذي لا زلت أبحث جاهدة عن حل ناجع له. فقد اكتشفت أنه السبب الرئيسي لكل الأمراض الجسدية والنفسية التي أعاني منها كانخفاض الضغط وتساقط الشعر ومشاكل في الجلد…وعلى المستوى النفسي: كالاكتئاب المفاجئ، وتغير المزاج، وقلة التركيز، والأرق والخمول…

لم أكن أفهم في بادئ الأمر العلاقة بينه وبين المشاكل الصحية؛ خصوصا العضوية التي أعاني منها فأعود كل مرة محبطة بعد زيارة الطبيب وأتهمه بيني وبين نفسي بانعدام الكفاءة وبأنه لم يعرف السبب الحقيقي لمشكلتي، لكن بعد عدة زيارات لأطباء مختلفين كل في تخصصه وتشخيصهم لحالتي بالقلق والتوتر، اقتنعت أخيرا أنه هو وراء كل ما أعاني منه منذ زمن طويل. وكم كانت دهشتي كبيرة عندما وقعت على دراسة كندية تبين أن القلق يؤثر سلبا أيضا على العادات اليومية للإنسان؛ فهو يؤثر على رغبته في مزاولة الرياضة، والخروج في نزهة، وفي مزاولة الأعمال المنزلية والتسوق، وحتى الاستحمام واختيار الملابس! هنالك اكتشفت سبب المشاكل الصحية والنفسية لدي: إنه القلق.

مقالات مرتبطة

ومن العوامل التي تزيد من حدة التوتر والقلق لدى الإنسان هي طبيعة شخصيته، وتتفاقم المشكلة لدى الأشخاص المثاليين أو الكماليين، هؤلاء الذين يسعون لفعل الأشياء على أكمل وجه كما يظنون، فيركزون كثيرا في التفاصيل ويضعون مخططات دقيقة للأشياء التي يريدون تحقيقها، فينفقون فيها جهدا نفسيا مبالغا فيه، وهم في انتظارهم لتحقيق نتائج مخططاتهم تلك يتضاعف شعورهم بالتوتر والقلق.

فإذا كنت تعاني من أحد الأعراض التي ذكرتها آنفا فربما أنت شخص متوتر وقلوق، وأنصحك بالعلاج قبل أن يستفحل الوضع، فلا تستخف بالمشكل لأنك إذا استمررت على نفس الحال قد يؤدي بك الأمر إلى الاكتئاب.

وأسمح لنفسي هنا بإسداء بعض النصائح بحكم تجربتي البسيطة في التعامل مع المشكل:
يجب أولا تقبل فكرة أن المشاكل النفسية تتسبب في مشاكل عضوية وصحية لا يستهان بها، فالجسد مرآة الروح، لذلك وجب الانتباه والاعتناء بصحتنا النفسية كما نعتني بصحتنا الجسدية.

ثانيا: التعرض للضغوطات في الحياة أمر عادي إلا أنه يجب علينا التعامل الصحيح معها وعدم الخلط بين الضغوطات الإيجابية والضغوطات السلبية في الحياة، فإذا كان التوتر الذي تعيشه سيؤدي إلى إنجاز مهم في حياتك أو يمكِّنك من المرور من مستوى إلى مستوى أحسن في عملك أو في علاقاتك فهذا القلق حميد ولا يُخشى منه، أما إذا كان بدون داع، أو قلق من أشياء متخيلة لن تحدث أو أشياء ربما قد تحدث لكنك تستبقها بتشاؤم مبالغ فيه، فيجب أن تتوقف في الحال وتمنح نفسك مجالا للتفكير بعقلانية، وتهدئة نفسك من ذلك التوتر والقلق الزائدين.

أيضا أخذ الأمور ببساطة من أفضل الطرق التي يمكن اتباعها؛ فهي لا تسمح للعقل بإنفاق جهد جهيد في التفكير خاصة في الأمور التافهة التي غالبا ما يتكلف الزمن بحلها. وللتخلص من التوتر هناك طريقة مفيدة أصبحت ألجأ إليها في السنوات القليلة الماضية، وهي أخذ استراحة من الحياة اليومية أو الروتين. هي أشبه ما يكون بعزلة عما تفعله عادة، وعن من تلتقيهم يوميا، وعن الأماكن التي تعودت ارتيادها، فتنفصل عن حياتك المعتادة لتذهب إلى مكان جديد وتلتقي أناسا جددا. لقد أصبحت عادة من عاداتي الجديدة المكتسبة، فهي تمكنني من التخلص من التوتر والقلق وتشحن طاقتي لثلاثة أو أربعة أشهر قادمة، ذلك لأن التوتر يتراكم فوجب التخلص منه أولا بأول، وشخصيا اخترت رياضة المشي الجبلي كوسيلة للترويح عن النفس والتخلص من تلك الطاقة السلبية المتراكمة.

وكنصيحة أخيرة مني للأشخاص المثاليين/الكماليين -وأنا منهم-: يجب التخلي عن هذا الطبع أحيانا فالحياة ليست مثالية لنكون بدَورنا مثاليين، وليس من المحتم علينا الحصول على كل ما نطمح إليه بالطريقة التي تروقنا، وليس هنالك حرج في الوقوع في الخطأ أو الفشل من حين لآخر، فرفقا بأنفسنا من القلق والتوتر الذي نعيش فيه، وكفانا جلدا لذواتنا الضعيفة، ولنكن سندا لها في مواجهة ضغوطات الحياة.

لقد تبين لي مما عايشته أن التوتر والقلق لا تسببه المشاكل الكبرى ولا قصص الفشل العظيمة، بل تسببه الأشياء البسيطة اليومية المتكررة التي نقلق بشأنها دونما فائدة. إنه مرض يحشر الإنسان في زاوية مظلمة ولا يترك له مجالا ليستمتع بحياته كما يريد، كما أنه يتطور مع الزمن ليصل بصاحبه للاكتئاب. وكما قال أحدهم: “القلق الدائم هو نوع من الحماقة، فهو كالذي يمشي دائما وهو يحمل مظلته خوفا من المطر”.