كتاب سياستان إزاء العالم العربي

8

يحمل كتاب سياستان إزاء العالم العربي لكاتبه بونداريفسكي، رؤيتين مختلفتين لقوى غير عربية متمثلة في جانب إمبريالي حدده في ثلاث دول هي بريطانيا، وألمانيا، وأمريكا، وجانب مواز يسعى حسب الكاتب لتخليص الدول العربية من نير الاستغلال والاضطهاد الذي تمارسه القوى الاستعمارية. وقد شخص من خلال معطيات تاريخية ووثائق مهمة، كيف تتم العلاقات والتبادلات التجارية غير المتكافئة والتي يفرضها الاحتلال الغربي قسرا وليس طواعية، فالصراع من أجل العالم العربي كان واحدا من أسباب نشوب الحرب العالمية الأولى بشكل غير معلن كما يذكر ذلك بونداريفسكي.

في أول الكتاب يبدأ الكاتب بسرد الأفكار التي تظهر تعامل أولى القوى الاستعمارية الكبرى مع تلك البقعة الجغرافية من الأرض تمثلت في بريطانيا “العظمى”، حاولت هذه الدولة على مدى عقود طويلة استعمار مصر ومن خلالها الدول العربية الأخرى؛ حيث كان هناك صراع دائم مع الطرف الثاني الذي يتجلى في فرنسا، فمن خلال عدة إصلاحات قام بها علي باشا أصبح موضع استهداف للبريطانيين، مع كون مصر كانت لا تزال تحت سيطرة الحكم العثماني، إلا أن ذلك لم يجنبها حربا ضروسا كللت بالهزيمة، فقد سيطرت بريطانيا على قناة السويس، وتمدد بعده هذا الاستعمار إلى اليمن وباقي الدول الخليجية (الكويت، والبحرين، والسعودية) وعقدت عدة اتفاقيات تحت الطاولة مع فرنسا سهلت هذا الاحتلال، الشيء الذي سمح لفرنسا بأخذ تونس كي تبقى مصر للإنجليز وحدهم، يظهر الكاتب كذلك مجموعة من الخطط التي جرى تنفيذها من أجل تقاسم تركة الإمبراطورية العثمانية، فبعد الإحساس بخطر هذه الأخيرة، وجدت بريطانيا مجموعة من الحجج أبرزها مكافحة الخطر العثماني داخل الدول العربية ما سهل التوغل وتكريس الهيمنة الاستعمارية. وطلبت من الدول العربية المساعدة مقابل منحهم “خلافة موحدة عربية” وفي تلك الفترة دخل الصهاينة على الخط؛ حيث بدأ التهييء لبناء الدولة اليهودية فيما بعد، وقد فشلت هذه السياسة الاستعمارية كما يعتقد بونداريفكسي غداة انتصار البلاشفة في روسيا وانتشار الفكر الثوري الكفاحي ضد النزعات الإمبريالية وبهذا لم تصل بريطانيا إلى ما كانت تصبو إليه.

الوجه الآخر للاستعمار الغربي تجسد في ألمانيا النازية، مع أن سياستها في الاستعمار كانت مختلفة على مستوى الشكل ولكن في المضمون والجوهر فهي واحدة، من أجل الاستغلال واستنزاف الثروات والخيرات داخل هذه الدول كيفما كانت المبررات والحجج، وقد أرادت حسب رغبتها وادعائها، تخليص العرب من الاحتلال البريطاني ومحاربة الصهاينة. غير أنها احتلت العراق بشكل أو بٱخر عبر التحريض على مواجهة القوات البريطانية داخل البلد، لكن آمال النازية وأحلامها الاستعمارية ومشروعها الفاشي تحطم وانتهى بعد الانتصار الذي حققه السوفييت في معركة ستالينغراد الباردة كما يرى بونداريفسكي. عملت الإمبريالية الأمريكية على استعمال تجارة الأفيون في القرن 18 عشر كطريق لوضع أرجلها في شمال إفريقيا والشرق الأوسط. لينتشر استعمارها فيما بعد ويشمل تونس، ميناء طنجة وغرب طرابلس. وقد كان لها نشاط مشترك مع الصهاينة استفادت منه لتدعم موقفهم في المقابل، واحتكرت القطاعات البترولية في دول الخليج وأزاحت بريطانيا عن ذلك بامتلاكها للنصيب الأكبر من الأسهم، وقامت بسياسة مقنعة تجاه الصراع الفسلطيني/الإسرائيلي بشكل ظاهر أو مضمر.

شكل المنطق السياسي أو السياسة الثانية أو الرؤية الأخرى باسم أو بآخر النقيض المباشر للمشاريع الإمبريالية حسب وجهة نظر الكاتب، تجلى ذلك في الاتحاد السوفياتي الذي عمل على مساعدة الشعوب العربية في تخليصهم من بقايا الاستعمار، وإقامة صداقات جيدة مع عدة دول لعل أبرزها على سبيل المثال لا الحصر مصر واليمن…وإقامة تحالفات أتاتوركية فارسية روسية، وبالتالي تشكيل حلف قوي باستطاعته مواجهة الأطماع الغربية، وهذا ما ظهر فيما قامت به روسيا السوفييتة، مع أن ذلك لم يدم طويلا.

بشكل عام، حملت السنوات الماضية والعقود السالفة صراعات ضارية بلغت أوجهها في الحربين العالمتين الأولى والثانية، شكلت هاتان السياستان حسب بوندارفيسكي وجهين، واحد يهدف لإضعاف شامل وكامل من أجل استغلال الثروات الطبيعية، وٱخر ثوري تحرري يود تفكيك هذه البنية الإمبريالية وتقويضها ما أمكنه ذلك.

تمثل طرح الكاتب في الانتصار لوجهة نظر معينة حسب خلفياته وطروحاته الفكرية، يظهر ذلك واضحا وبشكل جلي من خلال مجموع المعطيات التي أتى على ذكرها في صفحات مؤلفه. إن وجه الإمبريالية وتعدد صيغه على أرض الواقع لم يكن محصورا في شكل الغرب وهيمنته على الأراضي العربية وفقط، بل امتد ذلك إلى الطرف الآخر تحت مسميات عديدة مع أن الهدف واحد… صراع إيديولوجي بلغ مداه في الحرب الباردة، كل يحاول دعم معسكره والبلدان التي تنطوي تحت مبادئه وتمثلاته للقضايا السياسية. ليشهد العالم بعد ذلك تحولات كبرى واختلال موازين القوى وتغير المعطيات الجغرافية والسياسة وبروز النعرات المذهبية والطائفية؛ الشيء الذي قد يسائل ما أتى به بونداريفسكي بين فصول كتابه “سياستان إزاء العالم العربي”.

مع ذلك، تبقى أهمية الكتاب كامنة في توضيحه لخلفيات الصراع الذي دارت رحاه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكيف كانت هذه المناطق محط نظر في أعين الدول الغربية، وكيف تجلت أطماعها الإستعمارية والطرق والوسائل التي استعملتها لبلوغ غاياتها، دون اهتمام بما سيخلفه ذلك من دمار ثقافي وحضاري وسياسي ذي أبعاد رمزية، ستتضح خطورتها في طبيعة الحروب والصراعات التي ستأتي فيما بعد، وأصبحنا نشاهدها في الوقت الحالي…طبيعة لا زلنا نراها في بؤر التوتر؛ من تخريب كلي للبنى التحتية ودعم للحركات الأصولية، وتعزيز الانقسامات الداخلية وتجييش لأنصار الثورات والثورات المضادة. دعم يجد مؤداه في مراكز من يتحكمون في خيوط اللعبة، وفق منطق سياسي تفرضه تحالفات دولية بين أطراف الصراع. هذا ما نكتسبه من قراءة منجز بونداريفسكي، دون إغفال الرؤية النقدية التي يجب أن نرى بها ما تحمله مفردات وأفكار ذات الكتاب.