كوب قسوه

0 1٬099

عن هؤلاء الذين لا يرتشفون القهوة كل صباح ولا يهتمون لسماع تلك المقاطع الموسيقية الهادئة ولا يملكون شرفات تزينها الورود ولا يكتبون ما يحدث معهم يومياً كل مساء ،عن هؤلاء الغرباء الذين ملأوا مقاعدهم غياباً، عن هؤلاء الضائعون فى دوامة الحياة المقصيون من أحداثها اكتب.
لطالما أحببت من يلتزمون الصمت دائما فلا تعرف إن كانوا غارقين فى الشئ لدرجة أنهم لا يبالون بالعالم أم أنهم لا يلقون له بالاً من الأساس، هؤلاء الذين لا نعرف مكنوناتهم منفصلين عن العالم تمام الانفصال يعودون بين حين وآخر يثبتون وجودهم بإمضاء ثم يعودون إلى عالمهم مرة أخرى تاركيننا حيارى فى أمرنا.
إذا كانت قلوب هؤلاء خاوية وبارده حقاً ،لماذا إذن لا زالت تتألم، ومادامت قد سلمت واستسلمت لما لا زالت تأن وتنبض بقوة ، تلك القلوب الهشة البريئه التى تحملت كثيرا فاصبحت تخاف من كل جديد، اخترقتها أعيرة الماضى بحرفيه. جعلتها تنكر الاقتراب.ولشدة خوفها من التعلق، تتعلق. ولشدة خوفها من الفراق، تُفارق. ولشدة خوفها من الألم، تتألم. ولشدة ما تخيفها الهاوية تسقط فيها …




من أصعب اللحظات على المرء، تلك التي تعجز فيها الحروف عن وصف ما بداخله من مشاعر.. يسترسل في الحديث ويطيل الشرح ويكرر العبارات و يستفيض فى الجُمل .. ولكن يبقى الشعور مختلفاً عن كلماته.. وتبقى الكلمات في حيرة من أمرها.. عاجزةً أمام فيض المشاعر.
أعرف أن الشعور الذي ينطفئ فى المرة الأولى لا يحيا أبداً بذات اللهفة ولا ذات الكمال ،مبتور إلى حد كبير ..إلى حد أن تشعر بفقده مدرك انك لن تعيشه مرة أخرى ، لذلك لا تحاول استعادة نغمة اطربتك.. فالسحر كامن في المفاجأة الأولى لا في النغمة ذاتها.. فإن أصررت فإسترجعها في خيالك فهو أصدق من التكرار.
عن تلك اللحظات _لحظات السقوط والإنكسار_التى أجُبرت على تجاوزها بهدوء ،التى لم تأخذ حقها وبقيت نُدبها الدامية فى قلبك تأبى الشفاء.عن كل اللحظات التي مررت بها سريعاً ،فما كان منها سوى أن تلتصق بذيل ثوبك لتبقى ملازمة لك فى كل حين. تلك اللحظات التى وجب عليك أن تقف لتسوي نزاعاتك وتنهى حساباتك القديمة معها لعلها تندمل، ولكنك إستمريت بتجاهلها.

مقالات مرتبطة

وأنا أيضاً كذلك فبعد كل الظنون التي ظننتها بنفسي بأنني لا اعوض وبالرغم من انني الى هذه اللحظة أبدو قوى جدا أمام الجميع ،لكنني من الداخل لست مقتنعا أنني كذلك ، ومع كل هذا العناء مازالت لحظات الماضى تؤلمنى ،كيف يحدث كل هذا لى ؟ وابقى صامت.يبدو أننى لست قويا بما يكفي .
وأتعجب أنا الذي كنت مصمما على الحياة ولو حتى في مكان لا يتسع الا لموطئ قدمي ، ماذا حدث لي، ماذا فعلت بى الأيام ! صحيح لازلت أُقاوِم، أُقاوِم السُقوط في دائرةٍ لا مَخرج مِنها، زاوية لا ضوء فيها، إنني أُقاوِم وأتعَثَّر، لَكنني أُقاوِم. ولكن هل تكفى المقاومة لأجل الحياة؟!
الآن أقف وسط هذا الكون ،وعلى هذه الأرض ، وبين كل هذه الحشود ،ولكن أشعر بالوحدة،وحده مطلقه قاتله،صدرى أشبه بمقبرة قديمة منسية تحت أنقاض هذا العصر ،لست هنا، ولا يوجد احد هنا، شعور سيء أن تكتشف مؤخرًا أنك تعاملت دائمًا مع الأشباه . أشباه الأحبّاء ، أشباه الأصدقاء، وأشباه البشر ، لا شيء حقيقي وثابت في حصيلتك إلى الآن.
لابد أن هناك شئ عالق من الماضي لا زالت روحه تدب فى جدار الفؤاد شئ لم ينتهى بعد، شئ ما جعل كل هذه الامور تعود وتفرض نفسها من جديد، لعله هو سبب تلك القسوة والبرود. لعله سبب تلك الوحدة التي أشعر بها أنا وهؤلاء على رغم كل ما تُحيطنا من جموع.
هيا قف.. وأوقف كل شئ ،ولأول مرة أدعوك أن تتحرر من الحاضر المقيت وتعود للوراء كى تُشفى جرح الماضى الغائر..فضمادك القاسى المزيف هذا ليس منوطاً بالشفاء، وكفى تمثيلاً وإدعاء باطلاً بالقوة، فروحك المنكسره لم تعد تحتمل جرح جديد يضاف إلى قائمة جراحاتها القاتلة، فصدقاً استمرارك فى هذا العبث لن يحسم أي أمر، هيا إلقى نظرة وإلا سوف لن تجد نفسك مفراً من الانهيار والضياع و سيكون الانهيار مؤلم للغاية إذ إنها ستسقط على زجاجك المكسور، لذا عليك أن تُزيل هذا الحطام أولاً ثم _إذا أردت _أكمل البناء.