كورونا الوقت بدل الضائع

1

“الشعب المغربي الأبي، انتهت الأزمة ورفع الحظر، وتقام صلاة التراويح في كل بقاع المملكة، ودخلتم التاريخ، وكل عام وأنتم بخير.”

علقت الفوانيس، واخترقت نسائم رمضان الروح، غيرت الستائر وطلت الكؤوس البلورية بعد أشهر طويلة من الاختفاء الجبري، اشتدت حركة السير، وارتفعت الأصوات والضحكات، نظمت مسابقات ختم القرآن بين الأحفاد وسمعت لعنات الطلبة ككل عام يجتازون الامتحان في هذه الأيام المباركة، أو يستعدون لها والهم واحد، وعلقت النزاعات حتى آخر قبلة يوم العيد.

غدت اللمة أمام التلفاز حينها وانتظار طلة المزمار أقدس لحظة وكل ما بعدها يهون. بدا كل شيء كأنها المرة الأولى، كل واحد ترجم شوقه بطريقته والهدف واحد، تفعيل وضع الطيران على كل شيء والانغماس داخله. رمضان شهر لملمة الروح والترفع عن الأذى والغوص داخل النفس وبتر شيء من أسئلة الشك التي رافقتك طوال فترة ممارستك لحق ترويض العقل، والتمرد المشروع وقبل كل هذا تثبيت وسام الإنسانية على صدرك.

لخط الدفاع الأول، للحماة بأنواعهم، لمهندسي النظافة، لكل الذين وضعتهم الحياة عند فاه المدفع، باقة احترام وتقدير تعود إلى زمن بعيد جدا، اتفق العالم أن يجعل منها اليوم شعارا ثابتا مع وعي وأرطال من الخجل.

نحن الجيل الملعون، الذي يحملونه إصر كل ما يقع وسيقع لأسباب كثيرة في نظرهم، ربما بسبب الهاتف أو قلة الحياء، أو قلة العفة، أو التمرد على دستور المجتمع الباهت، لكنني أرجح الأخير.

كان آخر ما يمكن أن نتخيل عيشه “وباء”، كان يبدو الأمر بعيدا ومستبعدا، حتى أن قصص الأوبئة التي مرت من هنا لم ينتهِ أجدادنا الكرام من سردها، تستهل الليلة الأولى من كل لقاء جماعي في “الدار الكبيرة”، وتعلق حتى إشعار آخر إلى تمنحنا الحياة فسحة نعود فيها للمكان الآمن الذي ننتمي إليه، ونخلع رداء مقاتلة الحياة ويبقى السلاح في الوسط بين الدار الكبيرة والحياة التي تعشق بتر قلوب الضعفاء.

“ثميمونت ثميمونت ماتيمذ نهارا…ماتيمذ نهارا، أكسي أقبوش نم أمرقي غثارا.” تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو تتردد فيه هذه الأغنية على الضفة الإسبانية، طل الجميع من الشرف والنوافذ مع إضاءة هاتف وصوت مبحوح وميل طفيف غنى الجميع.

كانت الأغنية من التراث الأمازيغي لمدينة مغربية تطل على إسبانيا “الناظور” كل عرس لم يكلل بهذه الكلمات لا يعول عليه.

في عز الارتطامات والاضطرابات بأشكالها بدل التطلع للمستقبل والتشبث بخيوط الأمل الرفيعة يشتهي الفرد الاستناد على خيبات ماضيه، والوقوف على الذكريات التي مزقته يوما، والهروب إلى أيام كانت “النية” تحكم القوانين.

يناديها “ميمونة…ميمونة، هل ستخرجين للسقي اليوم.”

منذ زمن ليس ببعيد اعتبر السقي من أبرز شعائر الحب، كان وقت اللقاء مرهونا بحجم وعدد “أقبوش” الذي يطلب منها هنا المحب حمله “يتم التواعد والحديث وسرقة بعض النظرات الكاملة حتى سقي آخر.

فكرة اللقاء أثناء السقي تعني الاطمئنان على أن الحبيبة بخير، ليست مريضة، وأكثر من ذلك أن الحبيبة شجاعة تقيك من صفعات الدهر مستقبلا. “أمرقي غثارا” اللقاء عند العين أو الينبوع.

كان لزاما أن أخرج من البيت من أجل عملي، تواصلت مع جيراني عبر الواتساب وطلبت منهم أن يكتبوا لي كل ما يحتاجونه، مع إصراري على تعقيم الأمانات بعد أن تبلغهم.

كشاب التصق هذه الفترة بكل مقال عن الفيروس، وشاهد كل مقطع فيديو لأطباء مختصين، وتعلم من جديد كيف يغسل يديه مع التأكد من أن المعقم بلغ الزوايا كلها، أصبحت حذرا جدا، وتحملت مسؤولية الاقتناء والتبضع. جمعنا قدرا مهما من المال، ووزعناه على أصحاب المهن الأكثر تأثرا بهذه الأزمة، بعد الحجر الجبري المعقول، على الأقل سيبقى الفرد في منزله مطمئنا لن تشغل تفكيره معدة أولاده.

خلقت مجموعة على الواتساب، أخصص ساعة أتواصل فيها مع عائلتي هنا وهناك، أحاول أن أكون السفيرة بينهم وبين الأخبار الصحيحة والمصادر الموثوقة، وأن أتأكد في كل مرة أن التعليمات الطبية تطبق بشكل روتيني.

الحفيد الأول يأخذ اسم الجد، وبالتالي الحفيد الأكثر دلالا عند الجد، لم أتخيل يوما أنني سأستغل مكانتي عند جدي حتى هذا اليوم، أخذ مني ذلك تقريبا نصف يوم ليرضخ جدي، ويكرر لي بعدها أنه يفعل ذلك من أجلي، من أجلي فقط يطبق كل ذلك، الحب يجعلك تفعل المستحيل.

فكرة الاستعانة بمساعدة في المنزل فكرة مقبولة جدا، بعد إعلان الحجر الصحي كان على مساعدتي أن تقرر البقاء معي أو أسرتها إلى أن يرفع الحظر، قررت البقاء مع أسرتها، وقررت أنا أداء واجباتي حتى بعد توقف خدماتها.

كان من الصعب إقناع أبي، طلبت من إحدى صديقاتي الاتصال به على أساس أنها من السلطة، قبل أخيرا، لم يكن بيدي حل آخر.

حاولت إقناع خالتي بأن تحاول الخياطة من جديد، عدت من العمل اليوم لأجدها بدأت في ذلك، استغرقت الساعات الأولى في لمس آلة الخياطة والبكاء والحنين، بعدها أصبحت بمجرد أن ينتهي اليوم حتى تنام منهكة، كان هدفي أن تبتعد عن رسائل الواتساب المربكة.

كمغربي أملك فندقا على الضفة الفرنسية، وبعد تعليق كل الرحلات الجوية والبحرية، فتحت أبواب فندقي أمام كل شخص في حاجة إلى مأمن.

قريبا تبلغ المجموعة النصف مليون، كانت فكرة مرتبكة في البداية، أردت من خلالها أن أنشر أخبارا إيجابية موثوقة، لقت تفاعلا كبيرا، وأجمل شيء ساهمنا بطرق غير مباشرة في التخلص من الوباء المعلوماتي المستفحل هذه الفترة.

مقالات مرتبطة

أخرج كل يوم لأقدم وجبة كاملة لشخص ينام في الخارج مع الأخذ بالتعليمات الطبية بحزم، عمتي التي أتواصل معها من العيد للعيد، ربما لأننا جيل لا يحب التحدث، أرسلت لها مقطعا صوتيا طويلا بأسلوب دافئ، أشرح فيه كل ما يجب أن تعرفه، مع طريقة غسل اليدين، فاجأتني بمقطع فيديو تطبق فيه التعليمات وابتسامة النصر تكسو ثغرها.

قررت إعفاء سكان عمارتي من أداء واجبات الكراء طيلة الأزمة.

خصصنا في مخبزتنا جزءا مهما من الخبز مجانا، أما نحن فتأكدنا من وجود معقم ومناديل في كل الأرجاء.

قبل الأزمة، كنت قد طلبت من صديقي أن يؤدي لي السلفة، كان أول شيء قمت به حين تم تعليق الحياة الطبيعية، الاتصال به وإلغاء الطلب.

كل واحد من موقعه، على أرض الواقع أو على العالم الأزرق وإخوانه، يحاول جاهدا ترجمة إنسانيته حسب ظروفه وقدراته…وأحيانا فوق طاقته، لأنه يؤمن إيمانا شديدا بأن الأمور الصغيرة جدا اليوم هي التي تصنع كل ما هو عظيم غدا. تنوعت أشكال الإنسانية وقوالبها لكنها حاضرة في كل قلب نابض وضمير، حاضرة في كل إنسان يعي تماما معنى أن تكون إنسانا.

حاولت هنا أن أشعرك بمدى الفخر الذي ينتابني وأنا أكتب هذه المبادرات التي قادها أبناء بلادي المغرب، والمواقف التي غمرتني كل هذه الأيام حاولت مزجها هنا بالكثير من الأمل والخيال، من المرات القليلة جدا التي يغدو الخيال فيها حقيقة. لم ينته الأمر عند تطبيق الإجراءات التي تدعو اليها الحكومة التي تؤدي دورها بخطى معقولة ومضبوطة، أو الأطباء الذين تخلوا عن عائلاتهم من أجلنا، أو مهندسو النظافة الذين لخصوا كل مطالبهم في إغلاق كيس القمامة جيدا. كنا في حاجة لهذا المزيج المشروع، ولكل هذه الأمور التي أعيد ترتيبها بالشكل الصحيح.

بعد إعلان تفشي الوباء التحقنا بالمستشفى المخصص لحضنه، لم يكن هناك وقت للوصايا الأخيرة والعناق، أذكر أن زوجي أخبرني من زجاجة النافذة: “ما دمت ستعودين سالمة، أعدك بالقيام بالأعمال المنزلية سنة كاملة.” بدا الوعد مغريا ومعقولا وحقيقيا أكثر من عودتي، “بعد يوم طويل من الاحتكاك بالمرضى، فكرة العودة إلى بيتك تبدو مجازفة كبيرة، رفضت بشدة حضور زوجي لإيصالي، كان يأتي مع ذلك، كنت أمشي فوق ضوء سيارته، حتى الليلة المقبلة.”

“زوجي شرطي، أحضر الطعام وأقوم بإيصاله له، أخطو مرتبكة أضعه وأعود أدراجي، ينتظر هو ذهابي، ويمضي لأخذه، كان أقصى أحلامنا حينها عناق يشحننا حتى لقاء آخر.”

حتما أنت أيضا بحثت جيدا حول الفيروسات وتمردها على النسل البشري أو العكس، شاهدت وثائقيات طويلة، وتوقفت مثلي عند مواقف الحب التي تبقى دائما ثابتة بعد الحرب بأنواعها، فوق هذه الفقرة مباشرة، قرأتها قبل قليل.

وفي هذا الصدد وبالحديث عن الأوبئة، الإنفلوانزا الإسبانية لسنة 1918 كانت أفتك ما مر على البشرية، أدعوك للبحث عن قصة “أدا” إحدى الشاهدات على هذه الكارثة.

تسجلت في دورات مهمة حول تخصصات متعددة، بدت فكرة ملامسة الكتب التي باعدت بيننا الحياة، وقبل كل هذا، إرسال النسخة الأولى من تصميم بحث التخرج لأستاذي الكريم صائبة جدا.

اقتربت جدا خلال هذه الفترة من ابنتي وبدت واضحة أمامي ملامح توجهها الدراسي مستقبلا، نقلنا ملعب القرب بين الأرائك، وحاولنا جاهدين غرس التعليمات الطبية بأسلوب مضحك مع الكثير من الألوان والألعاب.

علقت اللقاءات والتجمعات والوقفات الطويلة أمام الباب وترجمة قبلات في الهواء أثناء تلميع زجاح النوافذ بالمعقم، قدس الخبر وثمن الوقت وأزيحت الآراء بأشكالها والصراعات بعيدا عن هنا، وأصبح “هشتاغ” #خليك فدارك، #خليك_فدارك_تنقذ_حياتك وأخرى، يدعوك للبقاء في المنزل والاهتمام بذويك وتطبيق التعليمات الطبية وممارسة التوعية كفرض ثابت.

علق كل شيء من أجل التي ستحقق كل ما سبق “الحياة”.

اتفقوا على الصيام لرفع البلاء، على مائدة يتوسطها هاتف تطل منه خالات العائلة، رفع الدعاء بصوت مرتجف وأعين تتوسل للسماء.

لا أذكر أين قرأت عبارة، الوعي الزائد وانكسار القلب، وحدهما يغيران الإنسان، إن سألت عني أنا أعرف طعمهما معا، ماذا عنك؟ أو لنعلق هذا السؤال حتى أجل آخر، يكفيني الآن أن تعمل بها هذه الفترة، لأن انكسار القلب أمر فظيع، وكل القلوب التي مرت من هنا لم تلتئم أبدا.

كواجب وطني على كل شخص أن يقوم بشيء يحسب له عند ذاكرة الوطن، قررت أن أكتب أو بالأحرى قررت أن أنشر حروفي هذه إلى العموم. كشخص لا يتقن شيئا سوى حمل قلم مرتبك ومزج الحروف بإكراه، قمت بكل هذا. كل ما يجول بخاطري وعقلي ترجمته لك هنا، إن حاولت قراءتها لأحد كن لطيفا من فضلك.

إن شعرت أنني بالغت وأن الأمر لا يستحق كل هذا سأجيبك بعبارة شدتني للسيد يوسف أولحوت، دكتور في علم الأوبئة وعلم إحصاء الأحياء، أستاذ باحث بجامعة مانشستر وبمدرسة الصحة العامة بجامعة هارفارد، في إحدى مقالاته حيث ختم قائلا:

“أفضل شيء يمكن أن يحدث لنا في النهاية هو أن نقول لأنفسنا أننا بالغنا في ردة فعلنا.”

أما إن حسبتني بالغت في المجاز والتشبيه، وأن الأزمات لا ترفع بالأدب، أدعوك لقراءة موت موظف للرائع تشيخوف، عساها فرصة لتقترب من الأدب، نتناولها معا المقال المقبل.