كورونا بعيون أدبية

71

دعونا لا نبتعد عن موضوع الساعة ولا نقترب كثيرا ونترك لأهل الاختصاص مجالهم والغوص في تفاصيله. ما أثار فضولي بخصوص موضوع الساعة، الكائن الصغير المزعج الذي ساوى بين شعوب الأرض وكل طبقاتها الاجتماعية هو طريقة ظهوره وسببها، وطريقة اختفائه وسببها أيضا، الأولى نعرفها وأسبابها نتنبأ ببعضها بعيون أدبية لا مصادر لها، والثانية نأمل أن تكون سريعة القدوم وأن تكون أسبابها خفيفة الوطأة.

لم تؤكد أي أنباء سبب ظهور الفيروس أول مرة، أو كيفيته، فهناك مصادر تؤكد خروج الفيروس من معهد الفيروسات العالمي بمدية ووهان بالصين وقد كان تسريبا مقصودا، المعلومة التي نفاها المعهد كليا ونفتها الحكومة الصينية، وهناك من يقول إن الفيروس انتقل من الحيوان إلى الإنسان وكان ظهوره في إحدى أسواق الحيوانات الحية في نفس المدينة. لكن، هل ظهور الفيروس كان فعلا مقصودا، نفترض أن النظرية صحيحة.

الغريب في جائحة كورونا أنها وكظاهرة فريدة من نوعها أثرت على كل دول العالم، سمع طنينها في كل الأرجاء، ووصل صيتها إلى القرى المنسية غير المعترف بها في الإحصائيات، وساوت بين كل الطبقات الاجتماعية، فكما أصابت من لا مأوى لهم، أصابت ولي عهد المملكة البريطانية.

عند بداية ظهور الفيروس ولا أخفي أنني كنت من الناس الذين ظنوا أنها مجرد لعبة محور من محاور الحرب الاقتصادية الباردة بين الولايات المتحدة ودولة الصين، وأن التضحية بكل هذه الأرواح لم تكن إلا جزءا من قذارة اللعب بين الكبار كما يقال، لكن حين خرج الأمر عن سيطرتهم ولم يستثن الفيروس أي جزء من العالم، انتشرت علامات الاستفهام، ما الذي يحصل؟ وما نتيجة ما يجري؟ بعد ثلاث أشهر فقط من انتشار الفيروس في العالم، واعتمادا على تقرير منظمة الصحة العالمية لشهر مارس، فمخاطر فيروس كورونا المستجد قد تم تقييمها إلى المستوى الأقصى، اقتصاديا واجتماعيا، وهذا سيؤدي إلى خلق فوضى على مستوى العالم برمته أثناء الجائحة وبعد اختفائها.

على المستوى الاقتصادي، وكنتيجة طبيعية للحجر الصحي وتوقيف المعامل والمصانع وإغلاق المحلات التجارية، وأيضا انخفاض -إن لم نقل انعدام- السياحة التي تعتبر أيضا نشاطا اقتصاديا محوريا، فنسبة الفقر والحاجة في تزايد يصعب السيطرة عليه، وهذا سيؤدي بشكل مباشر لأضرار ومشاكل اجتماعية جسيمة، ربما تترك آثارا لفترة ما بعد كورونا، فهل سينقسم التاريخ إلى فترة ما قبل الفيروس وما بعده؟

ظهور كائن الكورونا، العدو اللامرئي لم يكن صدفة، ولم يكن خطة سياسية بل كان إشارة روحانية إلهية كي يستيقظ العالم من غفلته، كي يعرف الإنسان قدره، ويتعلم العالم أن تخزين الأسلحة، والصواريخ، والدبابات، والنوويات والرصاصات لن ينفع بأي شيء حين يكون العدو مقيما بضحيته.

مقالات مرتبطة

الدرس الذي تعلمه ولا يزال يجتاز امتحاناته العالم بأسره اليوم لم تستطعه أي جامعة، كورونا علمتنا أن حسابات سويسرا لم تنفع رجال الأعمال هذه المرة، أن الجنسيات المتعددة والطائرات الخاصة لم تعد تسوى شيئا حين أغلقت كل البلدان حدودها وتوقفت كل الطائرات، أن العائلة التي كنا نراها في المناسبات فقط، والسفرة التي نجتمع عليها صدفة توجد فعلا، أن الباب حين يغلق لا يبقى لنا سوى أنفسنا، أن العمل، والخروج، والنزهات والتنقل هنا هناك، هذه الأشياء هي التي كانت تجعل الوقت يمر وتجعل العقل مشغولا عن التفكير في وجوده وكينونته، كورونا جاءت لتوقظنا وتذكرنا بأهم تفصيل كنا قد نسيناه، وهو ماهية وسبب وجودنا على هذه الأرض.

كان الناس قد نسوا قيمة الدعاء واعتمدوا في شفائهم على الدواء فقط، كانوا قد نسوا قيمة العائلة، وتفاصيل البيت وشكل الجدران ووجوه أمهاتهم، وجاء الحجر.

كان الظلم، والقسوة، والكره والغضب قد نالوا من قلوب الناس ما نالوا وأصبح الحب يعتبر ضعفا والطيبة جبنا، والأخلاق غباء، والدين كلمة مستبعدة تماما فجاءت كورونا، عصفت بكل شيء، ولم تبق أي حل وأي نافذة سوى الدعاء والصبر والانتظار، والوقت الذي كان ينزلق تحت أقدامنا أصبحنا الآن نخافه، أو بالأحرى نهابه.

هذا الفيروس بغض النظر عن أنه ظاهرة بيولوجية وجائحة قلبت موازين كل ركن في هذا العالم، فهو درس قدم بطريقة صارمة إلى حد ما إلى الإنسانية جمعاء، كي يعرف كل ذي قدر قدره، ونتذكر جميعا أنها فانية، وأن الوقت الذي أصبح العالم يتلاعب به حسب إحصائيات وأرقام وساعات إضافية في العدادات قد يتحول في وهلة لوحش مرعب تزداد معه الإصابات، والوفيات، والآمال وكل دقيقة قد تكون حاسمة، وقد تضاف إلى الوقت بدل الضائع.

هذه الحرب التي يتحد فيها العالم المتناقض ضد عدو غير مرئي، قد أثبتت صحة المثل الشعبي المصري “أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب”، فهذا الغريب المسمى كورونا قد نجح دون غيره من المحاولات على جعل كل شعوب العالم تتفق على فكرة واحدة وتتخذ نفس الإجراءات وتفكر بنفس الطريقة للحفاظ على أكبر عدد ممكن من الأرواح، وهو الوحيد الذي أخمد النار الباردة بين الكبار من دول العالم وجعلهم يتجاهلون الرصاص والصواريخ والمؤامرات السياسية، ويركزون فقط على شبح الموت الذي يحوم فوق رؤوسهم.

هذه الظاهرة ستظل راسخة في ذهن كل فرد من هذا العالم، وهذا الدرس سيكون محطة تغيير للأفراد والجماعات، وسيكون من أهم دروس التاريخ التي ستتطرق لها المناهج التعليمية للأجيال القادمة، هناك من كان هذا الفيروس أجله أو أجل والديه أو أقربائه، هناك العديد من الأمهات اللواتي فقدن فلذات أكبادهن وهناك العديد من العلاقات الزائفة التي كشف عنها الحجر الصحي، وهناك من كشف الملل عن مشاكله النفسية، ومن كشف الفراغ عن اضطراباته الاجتماعية، ومن تأكد أنه أب فاشل ومن تأكدت أن تربيتها لم تكن سليمة مائة بالمائة، هناك من عرف قدر نفسه ومن حجز بعيدا وعرف قدر وطنه، من ذاق الغربة بعيدا ومن ذاقها وهو بين أهله، هناك من نجا من الوباء لأن جسده لم يصب، ومن نجا لأنه أدرك الدرس وراجع نفسه وظفر بما تبقى منها.