كيان حلم

لكل منا طموح، لكل منا هدف يدفعه للشهيق بعد كل زفير، مع كل رشفة دم تتصاعد إلى أذهاننا هناك حلم يتربع عرش مملكة مخيلاتنا، أجل إنه الحلم، بصيص من الأمل يخالجنا، يحثنا على المضي قُدُما لتحقيقه فكما قال غاندي: “يكمن المجد في محاولة الإنسان الوصول إلى هدفه وليس عند الوصول إليه.” المحاولة هنا هي ذاك الطريق الشائك الوعر، المحاولة هنا هي دموع الضعف التي تزنر آماقانا بعد كل تجربة فاشلة، هي ذاك البرعم المنبثق من رحم أرض عذراء قيل عنها عاقر، هي تلك الروح التي تخاطب ذواتنا بعد منتصف العمر أن آن الأوان لينبلج كل الضعف قوة.

كل شيء يكون مبهما في عنفوانه، هنا تكمن عظمة الخالق في جعله مصير كل منا في عداد الغيبيات. أذكر يوم قالت لي أمي: “صغيرتي، تخيلي لو كان كل شخص على هذه الأرض يدرك مستقبله، ستفقد الحياة حينها لذتها، فمثلا، لو أدرك أحد أنه سيكون إنسانا ناجحا سيبدأ بالتماطل وسيستغني عن المحاولة متناسيا العمل بالأسباب التي تقوده نحو هذا النجاح، في حين أنه لو علم بالعثرات والتحديات التي يتراءى له أنه لن يقوَ عليها ستضعف عزيمته ويتسلل الهوان والجبن رويدا رويدا إلى فؤاده، ثم ستذبل روحه المائسة البائسة حينها.”

نصيبنا من العمر كما الرزق، فكفانا تعقيدا، ونصيبنا من الأمل مطمور بين براثن الصدفة، فاستجمع حطام ذاتك وشيد منها صرخا شاهقا من الأماني حتى إذا ما انسكبت شرفاته أنبتت مجدا.

لا تكترث لعدد المرات التي خانتك فيها الظروف، وفتش عما تبقى منك بين أنقاض روحك، بين أنقاض الخيبات والأمنيات الزائفة، لا تعش مهزوما منسيا سجين عثرة عابرة، فلولا الوقوع تعثرا ما بلغ مخلوق على وجه الأرض مبتغاه. تذكر عدد المرات التي وقعت بها في الصغر في محاولة لتخطوا بضع خطوات على أقدامك وعن عظمة إنجازك حينها، واجعل من آلامك وتمزقاتك انتصارات تفخر بها ويشيد بها على مر التاريخ.

لطالما كانت البدايات فاتنة، فاتنة حد الإغواء، كذلك شأن البدايات الفاشلة؛ تغوينا فنفقد زمام طموحاتنا نخالها لفرط الضعف نهاية، فتنتهي بعدها طموحاتنا. فإياك والسماح لها بوأد قريحت، واستعذ من شر نفسك ورتل آيات الثقة كي تسكنك، لتكون رغبتك كنتوء الصخر، حتى إذا ما استند الفشل على كتفك لن تبالي بوجعه، وتذكر أن ذاك المستقبل الذي نذرت نصف أحلامك لبلوغه وبرغم أنقاض الواقع المرير الذي يكبلك وديون الحياة المتراكمة سوف تبلغه لا محالة، كن الأمل، كن الحلم، كن معجزة.