لا تخجل من ضعفك!

تصادفنا في هذه الحياة لحظات نقف فيها أمام أنفسنا بكامل الضعف، والوهن والانكسار، لحظات تجعلنا نكتشف جانبنا الهش، وتبرهن لنا على أنه مهما بلغنا قوتنا وصمودنا أمام العقبات، لا بد أن نضعف أحيانا وأن تتكسر مرايانا، لتبدو عليها تفاصيلنا وأشياؤنا مشوهة ناقصة.

وقد يرحمنا الواقع المرير عندما يتلاشى وينتهي زمنيا، فنتنفس الصعداء ونجمع بقايانا بكل روية واعتناء، ونختار طريقا آخر للعيش والاستمرار، إلا أن أشياء تبقى عالقة في الذاكرة، كأن لها حواف حادة تدمينا من حين لآخر، وتفتح الجروح وتعري على الخيبات الماضية. “فالذاكرة أحيانا كالكلاب التي تنهش” كما وصفتها الراحلة رضوى عاشور في روايتها “الطنطورية”.

وسواء كان الضعف والانكسار نابعان من اللحظة الحاضرة، أو مما ثبت في الذاكرة من آلام موجعة من ماض يأبى أن يصبح ماضيا، فيزاحم بوجوده ولادات الحاضر الجديدة، ويحشر أحزانه في كل شتلة نمت في بساتيننا، لا بد لنا من تقبل ذلك الضعف واعتباره محطة من محطات العمر المختلفة، فالحياة ليست جميلة لدرجة أن تمنحنا كل ما نشتهي في أي وقت، أو أن تدفع عنا ما قد يهد من قوتنا ويكسر عزيمتنا.

لذا فإن أكبر ما ستواجه به ضعفك هو عدم تجاهله والاعتراف به بوضوح، دون خجل أمام نفسك، واعتباره عقبة تحتاج بعض الجهد، والمثابرة والإيمان لتتجاوزها.

فتكون فخورا بنفسك، لأنك عشت فترة ضعفك وتقبلته كأمر طبيعي الحدوث، فتعلمت منه ثم نفضت بقاياه من روحك، وتابعت المسير دون أن تتوغل في محيطات البكاء العاجز والخوف المميت.

فالحياة لا تسير دائما على بساط بهي مريح، و وام الحال من المحال، هذه سنة الله تعالى في كونه، والوعي بهذه الحقيقة -في حد ذاته- كفيل بأن يساعدنا على تقبل الانتكاسات وتجاوزها. وممارسة الوجود تكون بالقدرة القوية على تحمل الألم والخيبات، والصبر في العقبات دون التذمر منها، والوعي بأنها جزء لا ينسلخ عن أجزاء الحياة الأخرى، جزء يعلمنا الكثير ويجعلنا نكتشف قدرتنا على التشبث بالحياة عندما تخذلنا هي.

وفي الحقيقة، الأمور تعرف بضدها، وتأخذ قيمتها الحقيقية بوجود نقيضها. فلولا تلك الأحاسيس المنكسرة والفراغ الداخلي الصارخ، لما عرفنا وقدرنا فترات الفرح والسلام النفسي التي ستتبع -حتما- عاصفة الضيم تلك. فمهما اشتد سواد الليل لا بد من أن يباغثه نور الصباح، فيخجل ويتلاشى.

أما أفضل وأنجع ما قد تباغث بها الذاكرة العنيدة، التي لا تبرح تحيي في النفس أشياء الماضي والتي لن تفيد الآن في شيء، إلا أن تذبل وردة الأمل فيك، وتطفئ النجوم التي تحاول أن تضيء في مجرتك، هو أن تزاحمها بإنجازاتك الحاضرة واهتماماتك المستقبلية، فلا تمنح للماضي إلا دوره الذي يستحقه، وهو أن يكون معلما جيدا لك وتكون أنت تلميذه النجيب الذي لا يتعلم إلا كيف يجعل الخطوة الثانية أنجح من الأولى والإحساس الآتي أجمل مما قبله.