لم علم النفس؟

تبدو أهمية علم النفس اليوم، مسألة لا محيد عنها، وسبيل لا فكاك منه، في ظل [قيام أحوال ونشوء أفكار جديدة في الحياة، تولدت كلها من الاكتشافات العصرية العلمية والصناعية]* وفي خضم المتغيرات التي نحياها في عصر السرعة والرقمنة والعولمة، فضلا عن التمدن المهول، وحركية السير الفائقة، واجتياح الآلات الإلكترونية للأسر والأفراد، وتغير الكثير من المفاهيم، واكتشاف أخرى جديدة، وانبجاس ظواهر هددت صحة الفرد، فأضحى الإنسان يعيش اللاتزان، تغمره السرعة، ويبني حياته في العالم الافتراضي.

إن الطفرة العلمية التي تحياها البشرية في يومنا هذا، وفي دهرنا هذا، غيرت الكثير وبلورت العديد، كان لها صيتا ذائعاً وأثراً بالغاً في أنماط وأساليب العيش، وتغير نظم الحياة، فصرنا عوض أن نعيش اللحظة بحذافيرها، غدونا نسجلها، لم تعد الأسرة كما كانت عليه آنفا من المتقدمين من آبائنا وأجدادنا، ذلك الفضاء الحميمي الذي كانت تغمره البساطة في العيش، والرضا بالرزق، جو ماتع تؤنسه الألفة، يتربعه الجد وأولاده وأحفاده، فأما في عصرنا هذا، تكاد الأسرة لا تجتمع إلا في أوقات الأكل والمناسبات الدينية من قبيل الشهر المبارك والعيدين، والفرد في انطواء وعزلة مع عالم افتراضي، قد يبلغ مداه ويصل إلى الإدمان من ألعاب إلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي.

تحول جذري طرأ على حياتنا التي نحياها مع أن هاته الوسائل غدت من متطلبات العصر، ولما كان علم النفس علم يدرس الإنسان كان أجدى له وأفضل كشأن مجالات الحياة الأخرى، إسهاما في تحسين جودة الحياة، باعتباره علما أساسياً تجده مبثوثاً في مجالات شتى، وميادين عدة، محورها الإنسان، لذلك كان لزاماً أن يوفر من إمكاناته البحثية النظرية والتطبيقية لمد يد العون جراء اختصاصاته وميادينه.

علم النفس و الإنسان.
الحياة تقلب، شؤون وأحوال، فمن سره زمن ساءته أزمان، لا حال يبقى على حاله، وكل فترة في شأن، يكاد آدمي لا يخلو من المشاكل أبدا، تدلهم الحياة أمام أعيننا، وتوغل الخطوب أيامنا، تمر بنا ضائقات عصيبات، ولحظات ثقيلات، وتحدق بنا الأيام فتطوقنا، فالعامل مستاء من عمله، والطالب مضجر من دراسته، وهكذا في جل مجالات الحياة.

إن التطور الذي بلغه علم النفس اليوم، سمح له بالإجابة عن وفير الأسئلة وغفير الإشكالات كانت مثارة: كيف أفكر؟ كيف أشعر؟ كيف أدرك؟ كيف أتذكر؟ هل أنا ذكي بالفطرة أم بالمكتسب والتعلم؟ وكيف أتعلم؟ كيف أتخذ قراراتي في الحياة؟ وكيف أحل المشكلات التي تحدق بحياتي وتلونها كدرا؟ كيف أخطط استراتيجياتي العقلية؟ كيف أتحكم بانفعالاتي وغضبي؟ ومديد من الأسئلة الأخرى كالانتباه والتمثل واللغة.

عندما نعي ذلك، تتضح الرؤية صوب ناظرنا، ويحيد عنا ذلك الغبش من أعيننا، ندرك تمام الإدراك، أن النفس تمرض كما الجسم، وندرك أيضا أن علم النفس ليس مختصا بعلاج الأمراض فحسب، بل أينما وجد الإنسان وجد علم النفس، وقد تلم بحياة هذا الإنسان الاضطرابات والمشاكل في العمل، والمدرسة، والأسرة والأصدقاء…التي تجعل حياته ضجرا وكدرا، ومعاناة وضنكا.

يشهد الإنسان جملة من التغيرات على كافة مستوياته، من طور إلى طور، ومن نمو إلى آخر، فعلم نفس النمو، غطى هذا الجانب بما امتلك من أدوات ومناهج، وأعطانا معرفة كافية.

مقالات مرتبطة

إن التربية اليوم، محط نظر، واستشكال يستشكل على عدة مؤسسات، بدءا من الأسرة والمجتمع والمدرسة، إنه مسألة ضرورية لتنشئة جيل يكون خير خلف، جيل واعد ينتفع به المجتمع ويؤثر فيه ويسهم في الإصلاح والتغيير. إن المسؤولية الكبرى أولا ملقاة على الوالدين، أن يكونوا على اضطلاع لما يحتاجه أولادهم من حاجيات كل مرحلة، وعلى التغيرات التي تطرأ من طور إلى طور من أحوالهم النفسية والجسمية، ومراعاو الزمن والمكان، والعصر الذي نحياه، بغية تحقيق التوازن لأولادهم، وبناء شخصيات سوية.

إن حاجة الأستاذ المربي اليوم لعلم النفس، غدا شيئا لا َمحيص منه، وأمراً لا فرار عنه، لفهم شخصيات التلاميذ والتعامل بمقتضاها، كل حسب عقله وشخصيته؛ فذاك يشجع التلميذ، ويحفز قدراته وإمكانياته للبذل والعطاء الاجتهاد، ويعطي للأستاذ معرفة إن كان تلميذه، يعاني من اضطراب أو مرض، كعسر القراءة، أو صعوبات التعلم.

علم النفس والمجتمع
نحيا في كنف مسرح شاسع شئنا أم أبينا، تمارس علينا تنشئة اجتماعية، من الأسرة، والعائلة، والمجتمع، والمدرسة، والإعلام وذواتنا، فتتسع المدارك. هذا المسرح هو ركح المجتمع، سلوكياتنا أغلبها تتم وسطه، جراء تفاعلاتنا واحتكاكاتنا مع المحيط، فيحدث هنالك تأثير وتأثر، بين الفرد والمجتمع، هاته العملية المتبادلة جراء التفاعل الذي حصل، فعلم النفس الاجتماعي يدرس الفرد داخل جماعته، في بعده العلائقي وأشكال التفاعلات والاندماج التي تقع، وما يفرز عن ذلك من ظواهر مجتمعية يكون سببها الفرد.

لعلم النفس كذلك دور في التغير الاجتماعي، الذي هو مطلب كل مجتمع، ومسعى كل فرد داخل جماعته. ولعل الأزمة التي نعيشها، خير مثال على ذلك؛ حيث تجلى دور السيكولوجيا في ثنايا المجتمع، مقدما الدعم النفسي للأفراد الذين عاشوا القلق، وألمّ بهم الشك والخوف، وباتت المسألة تبيانا لنا، لا غنى لنا عن علم النفس.

علم النفس كمهنة
منذ انبثاق علم النفس، كان فاعلا مؤثرا في طفرة المجتمع واقتصاد البلاد، وفي الصناعة، وفي تقوية عتاد الجيش كذلك، لما كان يصطلح عليه بالحرب النفسية جراء دعايات والإشهارات، [فتم إدراج برامج تدريبية تصبو إلى خدمة الصحة، وفي سنة 1946 درب علماء النفس بناء على أحكام قانون الصحة العقلية الوطنية، وعقد مؤتمر بودلر عام 1949 حول التعليم في علم النفس السريري، فضلا عن مؤتمر فيل حول التدريب المهني في علم النفس، نموذج الممارسين الباحثين، وإطلاق برامج دكتوراه في الإرشاد النفسي المدرسي]*

وفي يومنا، أضحى لعلم النفس ركيزة أساسية مبثوثة في مناح شتى: اختيار الموظفين في الوظيفة العمومية، وتحسين جودة عملهم، في المباريات الولوج للمدارس وسوق الشغل، مراكز المساعدة والأعمال الاجتماعية، العمل في مصالح الموارد البشرية، إدارة السجون، فضلا عن الشركات، والمدارس كعلاج صعوبات التعلم، والخيريات ودور الرعاية.

لقد بلغ علم النفس اليوم، عظيم درجة ورفيع منزلة، جراء الطفرة العلمية وانضوائه تحت لواء العلوم المعرفية، وإن اختصاصات واتجاهات السيكولوجيا وميادينها وفروعها النظرية والتطبيقية، من ’’علم النفس المعرفي، علم النفس العصبي، علم النفس الاجتماعي، علم النفس الإكلينيكي، علم النفس التربوي، علم نفس الشغل، علم النفس البيئي…كلها معارف تنضوي تحت علم النفس العام، تظافرت و تكاملت لخدمة الإنسان، ومع اختلافها، إلا أن في الاختلاف تكامل، إن في الاختلاف غنى وتميز وثراء،ولما كان علم النفس عامرا بالنظريات، وافراً بالأبحاث، كان لزاما على الأساتذة والطلبة الباحثين، والعلماء والأخصائيين النفسيين، أن ينزلوا هاته الأبحاث والنظريات، لتطاوع الواقع، ويسهموا جميعا في رفع الوعي بعلم النفس، والاستزادة من ثقافة سيكولوجية بين ثنايا المجتمع، كل من مكانه وقدرته، فإن في ذلك مجلبة للمنفعة، ومدرأة للمفسدة، لا نجعل الأمر دغدغة للمشاعر والأحاسيس، وإنما تحريكا للإرادة على العمل؛ لأن ذلك من شأنه أن يحقق مراد بغيتنا، ويسهم في طفرة مجتمعنا. إن عصر الرقمنة الذي نعيش فيه، بات علم النفس ضروريا فيه، باعتباره دراسة للعمليات العقلية والسلوكية، لذا، كان لزاما عليه التدخل كشأنه من الاختصاصات الأخرى، لتعديل سلوكيات الأفراد، إن اضطربت أو انحرفت، وإن حصل تلف أو انحراف أو اضطراب في العمليات العقلية، قصد تحقيق الغايات المنشود، والمطامح المرجوة.