ما هُو طقسُك ..؟؟

751

هذا السؤال يبدو مضحكا قليلا ؛ مثل ” ما هو برجك ” وما هو” لونك المفضل ” ؛ ربما تافها جدا ؛ ربّما غريبا لا يوحي بشيء خاص ؛ لكن ما باليد حيلة ؛ هكذا صادفت أزرار الجهاز ما راج بداخل هذه الرّوح..

لنتحملّ العُنوان قليلا ؛ ولنمض حيث يريد استقطابنا حقيقة … ذلك دوره منذ البداية !!

يحدثُ أن نستيقظ كلّ صباح ؛ بذات الوجه والأنشطة والحسابات ؛ كلّنا يفعل ذلك ؛ لكن كل منّا يرى الأمر من زاويته الخاصة التي تجعلهُ يعطي معنى لما يصنعه ؛ كل منّا له أن يجعل في يومه هذا المبخرة التّي يصّعد منها ريح الرضى ؛ لتمنحه السّلام الذي يحتاجُه فيبقي على شغفه خلال اليوم ؛ حتّى لا تذهبُ حركاته من هنا إلى هناك في تأفف مستمر ؛ حتّى لا يصبح ” روتينه اليومي ” مشجبا لتعليق مساوئ الكون كلها عليه .. إننا نحتاج هذه المحطة حيث نأخذ نفسًا
هذا هو إذن ؛ هذا الطقس الذي أتحدث عنه ؛ هذا اللغز الذي على كلّ منّا أن يحُلّه ليجد الشمس تشرق من بين جوانحه المتعبة في كل يوم جديد ؛ ذلك النّسيم الذي يسرقه من نفسه ليرحل به نحو ما يمنح السّلام الداخلي لروحه ويلقي عليه محبّة للذي ينطلق إليه في كلّ صباح ..
نحن متعبون اليوم ؛ منهكون جدا لأننا قلّما نجد هذا الطقس حاضرا يُغالبُ يومنا المتعب .. ربّما لأننا ضيقنا عليه الخيارات ؛ بين رحلة وقراءة كتاب وكأس قهوة على الشّاطئ ؛ وما هو موجود ضمناُ في الخيارات المتاحة !!

ذلك الرّجل الذي كان في كل مرة يرى تفاحة تسقط من الشجرة ؛ يراقب حركتها المستمرة ؛ هل حقا كان يعلمُ أنه يوما ما ستصبح الجاذبية التي اكتشفها أساس كلّ ما نفعله اليوم ؟؟


ربّما ليس لتلك الدّرجة ؛ وربما بالأصل لم يكن هدفه بداية اكتشاف شيء ؛ لعلّه كان مُجرد طقس جميل يمارسه صباحا ومساءا ؛ ربّما كان يحلو له أن يلتقط أنفاسه من عبث اليوم في فيء هذه الشجرة التي أهدته بعدها هذه التّفاحة لتحيّيه بطريقتها ؛ لعلّ الظلال هنالك كانت تمنحه السّلام الذي يحمله على مواصلة يومه الشّاق ..
ثم هذا الحبيب صلّى الله عليه وسلم ؛ هل كان حقا يدرك أنه سيصبح سيد قوم ؛ يُبعث لرسالة عظيمة جدا تتخطى شعاب مكة التي عاش فيها دائما ؟؟
لم يكن يعلم بالتّأكيد ؛ لكن مع ذلك كان في كل يوم ؛ يرحلُ بقلبه إلى ذلك الغار حيث يمكنُ لروحه أن تتناغم مع تفاصيل هذا الكون ؛ كان يمضي السّاعات هنالك دون أن يملّ ؛ هل كان ينتظر ” إقرأ ” ؛ ربّما بمعيار ما في السّماء هو كان مهيأ لذلك من قبل قدر جميل من الله ؛ لكن من منطلق بشري يزعجه كل ما في مكة من وثنية وجهل ؛ فلعلّ ممارسته هذه كانت طقسه ؛ كان مفتاح دخوله لمحراب سكينته وصفائه ؛ كان غار حِراء وجلوسه هنالك ؛ ثم الرعي ؛ الأمران الذي وجد فيهما ما يبحث عنه ..هذا الغار بدوره كان يضمّ كل مواجد الحبيب صلّى الله عليه وسلم ؛ حتى أتاح له يوماً أن يستقبل الوحي الأعظم هناك ..
هنالك بالضبط حيث كان يعيش طقوس سلامه ؛ ليبزغ منها فجر الرسالة العظيمة

وغير بعيد جدا هذا بلال ؛ حين سأله الحبيب صلى الله عليه وسلم : ” بلال حدّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة”
قال : “ما عملتُ عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي “

ربّما كفى ببلال أن يكون صوتا لله في المآذن ليسمع صوته بالجنة ؛ ينادي إلى الله كل يوم خمسا ؛ كان يمنح هذا العمق الرّوحي للأذان ؛ يطول به عنقه كما مقامه عند صحبه وعند الله ؛ لكنّه لم يقل ذلك …
بلال كان محاربا باسلا ؛ شارك في أغلب الغزوات ربّما ؛ لينصر الإسلام
مع ذلك حين سئل عن أفضل ما قام به ؛ قال أنه ما توضأ إلا صلى بعده ما أمكن من ركعات ترتقي بها روحه معارج الرضى وتشفي صدره ..
ربّما كان جواب بلال نابعا من كون هذه العمل البسيط ؛ يمنحه السلام ؛ يمنحه هذه الطاقة التي تجعله معافى في روحه ؛ ربّما هو طقسه الذي ما كان يتخلّى عنه ؛ لذلك خطر على باله أول ما سئل ؛ وربّما لأن كل تلْك الأعمال الأخرى كانت من واجباته كفرد مسلم ؛ لكن ذلك الطهور وتلك الركعات كانت أعظم في قلبه لأنه يصنعها بدافع القرب ؛ بدافع روحه المتعبة التي ترغب في الرّاحة بعد كل شيء …

وذلك الشيخ جارنا في القرية الذي يقف كل مرة بعد عودته من صلاة الفجر ؛ يسند يديه على سور منزلنا ونسمع دندناته من خلف نافذة الغرفة ؛ من حيث لا يعلم ؛ يتمتم بدعوات كثيرات لا نميزها حقا ؛ لكنه يظل على ذلك الحال مدة طويلة ؛ بذات المكان وكل يوم وبذات السّاعة ؛ يوجه وجهه للجبال والمقبرة التي تبدو غير بعيدة ؛ فيبدأ حديثه الخاص به ..
في يوم ما حين كنت أوصل صديقتي لتسافر فجرا ؛ وقفت في مكانه أرقبها من بعيد حتّى تصل ؛ وإذ به قادم من المسجد ؛ جاء ليقف ويمارس شغفه في تلك الحالة ؛ لكن كأنه تذكّر فجأة أني هناك ؛ وابتعد صوب منزله ؛ وابتعدتُ أنا إلى المنزل حرجا من أن أكون أفسدت لحظته ؛ ليعود من فوره إلى مكانه ؛ إلى حيث اعتاد طقسه الذي يبدو أنه يمنحه أيضا ما يحتاج ليومه القادم .. ذلك جليّ حين نراه غير متأفف كغيره ؛ قليل الغضب جدا …
وهذا الفيديو لذلك الشيخ الذي يطعم الحمام وينتظره الحمام كل يوم ؛ لا يملّ من ذلك ؛ ولا يتأفف ؛ والسّعادة بادية في عينه وحديثه وحركة يديه التي يضم فيها حبات القمح ..لعله كان طقسه


صديقتي التي قد تفاجئك بأن تترك في لحظة خاطفة كل المحاضرات والكتب وكل آلامها ؛ لتأخذ خيطاً وألوانا؛ تطرز الثوب كأنها تنكث كل همها في هذه الزاوية الصغيرة لساعة ؛ تعود بعدها مقبلة على أخذ كتبها وأقلامها في رضى كأن ما بها من تعبٍ أبدا ..
وتلك التي وجدته في حبات كعك تطهوها للأطفال ..
وهذا الذي دأب على الذهاب لأمه كل يوم بعد عمله ؛ يناولها الفاكهة وينظف البيت ويضع لها ماء بجانب سريرها ؛ يفعل ذلك كل يوم ويرفض تماما أن تقوم زوجته بالأمر مع إصرارها ؛ لأنه يجد في ذلك الأمر حين يصنعه ” بَرَكَةَ يَوِمِه” كما يقول …
هذا الذي كلما استيقظ ؛ ذهب إلى سطح منزله يتأمل السماء ساعة لا يكلم قبلها أحدا أبدا ؛ لا يصنع شيئا سوى أن يجلس هكذا دون منغّصات تعرقل لحظة صفائه …
غيرهم كُثر جدا ممن وجدوا هذا التّائه عنهم …

إذن ما هو طقسُك ؟؟
لا تبحث عن إجابة تجعل الآخرين ينظرون إليك أنك ذلك الخارق الذي يقوم بأشياء كثيرة في نهاره ؛ لا تبحث عن شيء قد لا تستحمله روحك فأنت بالنهاية تبحث عن مفتاحك في التعرف على سلامك المفتقد ؛ أيضا لا تبحث في تلْك السّلة التي أوجدوها من أجلك ؛ حتّى تختار من بينها الأمثل التي تجعلك جيدا في عيون الآخرين ؛ فتوقعك في فخ التحيّر والتعب من الركض بدل المساعدة .
فقط ابحث فيك ؛ في أعمق نقطة بك ؛ عن ذلك الخيط الرفيع والمتين الذي يجمع خرزات روحك المتناثرة في زمن كثرت فيه الوسائل ؛ وقلّت لحظات المتعة ؛ ابحث عن هذا الركن الذي تنزوي إليه نفسك مراراً فيمنحها في كلّ مرة دون تردد هذا المعنى الجميل للحياة ” السّلام الداخلي ” ..
ابحث هنه فقط يشبهك وتشبهه أو حتى لا تشبهه ولا يشبهك … المهم لا تبقى دون طقس يحفّك بالارتياح في كلّ مواسمك ؛ والأهم أن لا يكون طقسا يعقبه ندم أو يسبب ضرراً في الجسد ولا في الرّوح بعده