مسرى الحياة في زمن الوباء

130

في منحى الحياة ووسط إعصار جائحة كورنا واجتياحها كل البقاع وزحفها نحو كل الأمصار والأقطار، أن تضع نفسك تحت ضغط نفسي رهيب مفزع يوميا، وتشتم رائحة الموت تعلو بدل رائحة الرغيف والشاي والقهوة وغبار الحياة، فذلك لعمري اختبار نفسي رهيب يفوق الموت عينه، في كل صباح أطل على إيطاليا من وراء الشاشة وعلى اليوتيوب، إيطاليا التي تدب ثراثا وتتنفس عراقة وحياة، تراها صمتت وسط عاصفة كوفيد 19، لقد سلمت مفاتيح الحياة إلى سفاح غير مرئي، يجول ويصول في كل أزقتها بكل بطش وفتك.

رائحة الموت تعلو سماء إيطاليا، وتوابيت مصطفة كثيرة تطمر في جوف الأرض يوميا، كأن كلمات الأغنية ذائعة الصيت وترانيمها المتناثرة Bella Ciao تحكي وتبكي حالة إيطاليا، إيطاليا الآن وليست إيطاليا زمن الفاشية:

صباح يومٍ ما، أفقت من النوم
وداعًا أيتها الجميلة، وداعًا أيتها الجميلة، وداعًا أيتها الجميلة، وداعًا، وداعًا
صباح يومٍ ما، أفقت من النوم
ورأيت وطني محتلًا
يا رفيقة، احمليني بعيدًا
وداعًا أيتها الجميلة، وداعاً أيتها الجميلة، وداعًا أيتها الجميلة، وداعًا، وداعًا
يا رفيقة، احمليني بعيدًا
لأنّني سأموت
وإن متّ، كمقاوم
وداعًا أيتها الجميلة، وداعًا أيتها الجميلة، وداعًا أيتها الجميلة، وداعًا، وداعًا
إذا متّ، كمقاوم
فعليكِ دفني

في كل صباح أحلق في سماء المدن الإيطالية، التي أضحت مدنا لأشباح خاوية على عروشها، لا ضجيج ولا عجيج يعلو، بل الصمت سيد الموقف، أعود سريعا لأحملق في سماء العاصمة الرباط، وتواتر الأرقام ما بين عدد المصابين الجدد ومن انتصروا على العدو ومن انتصر عليهم، لا حديث يعلو فوق حديث فيروس مستجد فتاك مجهول.

ضغط رهيب وحرب نفسية وحالة للطوارئ وإجراءات احترازية لمقارعة عدو خفي غير رحيم، صدق نجيب محفوظ في قولته الأثيرة “الخوف لا يوقف الموت ولكنه يوقف الحياة”، لقد أوقف الخوف والهلع الحياة، وأوقف الزمن عند عقارب زمن كورنا، وحده كورونا استبد بنا وبأحاديثنا ومزاحنا، الحياة توقفت عند عتبته، أمسى مرادفا للموت يدوس بحوافره كل الأعمار، لا يحترم فينا كبيرا ولا صغيرا ولا سقيما.

مقالات مرتبطة

دبيب الهلع والخوف جرى مجرى الدم، والأرقام المتصاعدة يوميا تزيد من منسوبه وارتفاعه، وحالة الانتظار، لا تزيد إلا إنهاكا للحالة النفسية للمرء، هل يجب أن يتوقف كل شيء ويستسلم إلى حين أن تضع الحرب أوزارها ضد هذا العدو المباغت وكسر شوكته واندثاره؟

من جوف كل نقمة تنبثق نعمة، أعادنا كورونا إلى منازلنا، منحنا فسحة للتأمل واكتشاف ذواتنا وعائلتنا التي توارت خلف تعب الحياة وأعمالنا اليومية الرتيبة، منحنا هذا الفيروس فرصة لترتيب أولوياتنا ومراجعة تقاليدنا، منح لكل فرد فرصة جديدة للحياة إذا كتب له النجاة منه، منح للدولة والعالم فرصة للبناء الجديد وترميم ما يمكن ترميمه. في المقابل، كشف مظاهر التضامن والتماسك، وعلى ضفة أخرى، زيف التعاضد واللحمة والوشيجة القائمة بين دول الاتحاد الأوربي.

في زمن الوباء، كما يقول الكاتب حسن أوريد “ينبغي التعامل معه بالحيطة اللازمة، ولكن بدون أن يعطل ذلك مجرى الحياة، أو أن يصرفنا عن «أوبئة» أشد فتكا. ينبغي للحياة أن تستمر، كما في مواجهة الإرهاب. ينبغي للحياة أن تنتصر ولا ترضخ للوباء. أنصح بالوصفة التي قدمها كامو بقول في مواجهة «الوباء» أولها، أن يقوم كل بواجبه، إذ بذلك سيندحر الوباء، ثم لا بد من شيء من التجريد، أو النظرة المجردة للأشياء. ومن يدري، فقد يغدو الهلع الذي ركب العالم، بعد بضعة شهور موضعا للتندر، وعسى أن يصبح مادة للاعتبار للتصدي «للفيروسات» الفتاكة التي يتواطؤ العالم على تجاهلها”.

إن المصير مصير مشترك، والنجاة مشتركة بين الجميع، أي أن الالتزام الجماعي، وما تسميه منظمة الصحة العالمية بالتباعد الاجتماعي والوقاية أنجع السبل للنجاة وكسر طوق الفيروس، والدولة الوطنية التي تقوم على الرعاية الاجتماعية هي المستقبل في الحفاظ على بيضة المجتمع من التهشم.