مشاعر سريعة

276

مما لا شك فيه أن عالمنا المعاصر، الذي ارتوى بأفكار الحداثة والعولمة والرأسمالية، أصبح مرتعا لكل ما هو جاهز وسريع ومؤقت واستبدالي، نظرا للكم الهائل من المعلومات والاختيارات المتاحة للفرد، بغض النظر عن أنها أحيانا قد تشل قدرته على اختيار ما يفيده، فاحتمالات الاختيار المتنوعة والأذواق الكثيرة تجعل الإنسان أحيانا لا يختار أو يؤجل العملية، وهذه المسألة تطرق لها عالم النفس “باري شوارتز” في كتابه “معضلة الاختيار” والذي بين فيه أن كثرة الخيارات لا تكون دائما عاملا لتسهيل عملية الاختيار، بل قد تعيقها من الأساس.

إلا أن هذه الجاهزية والتأقيت التي اتسمت بها حاجات المجتمع الاستهلاكي، أودت بالفرد في دوامة لا تكل ولا تمل من الدوران، يصبح فيها الجديد في كل مرة قديما، فما تلبث موضة جديدة في عالم الملابس -مثلا- أن تظهر حتى تتجاوز وتقوم مكانها أخرى مختلفة وهكذا، كما هو الحال في ظاهرة “الموضة السريعة” التي تبنتها الكثير من الماركات التجارية، على رأسها “ماركة زارا” والتي حققت من خلالها أرباحا مهولة وانتشارا واسعا لاسمها التجاري في السوق العالمية، وأصبحت الأسواق تعج بالجديد الآني اللحظي! وخطورة الأمر فعلا، أن عامل المدى القصير هذا، لم يميز فقط الحاجات والخدمات، بل امتدت فروعه لتشمل المشاعر والعلاقات.

إن الإنسان في خضم هذه الدينامكية الرأسمالية السريعة، يرى أن الاستثمار في الأشياء المادية أمر لا بد منه، وهو فعلا كذلك، فالمشاريع لا تقوم على عقود وإمضاءات، بل يجب استثمار الوقت والمال والمهارة والتجربة وكثير من الأشياء الأخرى لضمان استمرارها ونجاحها. ولكن في المقابل يرفض أن يستثمر أو يضحي في سبيل إنجاح علاقاته الاجتماعية والعاطفية، فيلبي حاجته من التواصل الاجتماعي بعلاقات عابرة ومشاعر مؤقتة وحب قائم على أعمدة الفائدة المادية والمغامرة والتأقيت، ليحظى في الأخير بصلات هشة يتيمة، وأحاسيس تذوق من قشورها ولم ينعم بلبها أو يبلغ جوهرها الذي تعنيه فعلا.

فبما أن الخيارات متعددة ومتنوعة، فإن فرص التجريب والمحاولة متوفرة ومتاحة للجميع، والسيولة العاطفية ملأت العالم الافتراضي، وصبت فائضها على الواقعي، علها تشفي غليل العين التي لا تبرح تتطلع دائما للأفضل والأسهل والمجاني. لكن غالبا ما يكون الإنسان نفسه هو ثمن الأشياء التي لم يدفع ثمنها. فالمجانية الظاهرة للعلاقات الاجتماعية والعاطفية العابرة والمؤقتة، والتي تتبرأ من جميع أشكال المسؤولية، والالتزام الأخلاقي والإنساني، غالبا ما تضمر في جوانبها ثمنها، الذي يكون على حساب الاستقرار النفسي والسلام الداخلي والتواصل السليم للفرد باعتباره كيانا فرديا ومجتمعيا.

إن السبيل لتحقيق السعادة والمتعة في ظل حداثة ورأسمالية جردتا الحياة من أصولها والمبادئ من معانيها، هو الإنفاق أكثر وأكثر، من تلبية الحاجيات الضرورية والثانوية بوتيرة واحدة، بل وخلق رغبات جديدة وتلبيتها، فيصبح الذي ينفق أكثر هو الأفضل. لكن هذا السخاء المادي الهستيري، قابله في الجانب الآخر شح وبخل في القيم الإنسانية والمعاني الراقية التي تسمو بروح الإنسان وتهذب سلوكه وتعزز فيه روح الانتماء والحب والتعايش. والتي يتحدد بها نجاح وصحة علاقاته الاجتماعية أكثر من أي أمر آخر.

مقالات مرتبطة

فأن تصمم القيم الإنسانية النبيلة كالعطاء، والتضحية، والرحمة، والحب، والتسامح، والتضامن والمودة على قوالب الرأسمالية المتوحشة، هو أن تتجرد من معانيها، أن يسلب جوهرها وتصلب في الأسواق! وبذلك تحلل المجتمعات، أو بالأحرى “التجمعات البشرية” كما يسميها عالم الاجتماع البولندي “زيجمونت باومان” لأنه من وجهة نظره، أولى الصفات التي نحكم بها على تجمع بشري أنه “مجتمع” هو وضوح وسلامة العلاقات الاجتماعية بين أفراده؛ على أنها أجساد عاملة ومستهكلة تحكمها بيروقراطية الرأسمالية العنيفة.

إن محاولات الإصلاح والتغيير و البحث عن حلول دون أن يتخلى المرء على ما في يديه، صار أمرا متجاوزا وبدائيا مع كل هذه السيولة والتأقيت الصارخ في العلاقات بين الأفراد، فأن تهدر وقتا وجهدا وطاقة لتصلح ما في يديك قد يكون أصعب من أن تتخلى وتبحث عن علاقة جديدة، فلماذا ستختار الأصعب؟ ولكن الغالبية تفلح في تحقيق السهل دائما، وتبقى البطولة والتميز، في الخروج عن المألوف البسيط السهل ورفع تحديات وخوضها بجدارة.

ومع أنه في بعض الحالات يكون الإصلاح الوحيد هو التخلي دون التفات أو تأنيب، إلا أن هناك أمورا كثيرة يمكن إصلاحها وجعلها أفضل مما كانت عليه، ولا بأس في شيء من الصبر والتضحية والمشاركة في سبيل تحقيق ذلك، لأن العلاقات الاجتماعية تستمد قيمتها وجوهرها الصحيح من كل الأمور التي ترممها وتدفع بها للأمام وتعلي من شأن أطرافها وثقتهم ببعضهم.

على ما يبدو، أنه بعد الحديث عن “الأكل السريع” و “الموضة السريعة” و “التواصل السريع”…صرنا نتحدث عما قد نسميه “بالمشاعر السريعة”؛ وصفات سريعة وآنية للتواصل الاجتماعي وبناء العلاقات، التي حتما لن تصمد أمام تحديات الحياة، كيف لا وقد بنيت على أعمدة المصلحة والرغبة الفردية والمغامرة والتأقيت.

هي مشاعر جعلت من العلاقات الإنسانية روابط هشة، قابلة للتمزق والاندثار في أية لحظة؛ مشاعر تجاوزت كل حدود الزمان والمكان لكنها لم تستطع تجاوز أنانية الفرد وطمعه في تقديم رغباته والاستمتاع بتلبيتها دائما، بدل خلق مصالح مشتركة تلبي طموح وانتظارات جميع الأطراف؛ مشاعر رأت في المصلحة المادية أبهى تجلياتها وتناست أن ما يقوي العلاقات الإنسانية ويمنحها شرعيتها وسلامتها هو أكبر من أن يكون ماديا مجردا يمكن دائما شراؤه أو استعارته!

إن مبدأ الأمان المأمول من كل علاقة اجتماعية، والذي يشمل جوانب متعددة: الثقة الصادقة، والفرح في المسرات، والتعزية في الشدائد، والمواساة في الفشل، والتشجيع في تحقيق الطموحات، وستر العيوب والنواقص، ومد يد العون عند الحاجة…وغيرها من الأمور التي تسهل بشكل كبير مرورنا في هذه الحياة وتختصر لنا المسافات لبلوغ ما نطمح إليه وتمنحنا استقرارا كبيرا وثقة بأنفسنا وبعلاقاتنا ككل، لا يمكن أن يتجلى حقيقة في كثير من علاقات هذا العصر. لأن أسس التأقيت والفورية في تلبية المصالح الفردية وحس المسؤولية الهش والاستسلام الخانع أو التغطرس في التعبير والمشاركة، كلها أمور -من بين أخرى- تحول دون بلوغ ذلك. ومن غير المعقول فعلا أن يهرب الفرد من عزلة وحدته وعدم استقراره وحاجته الدائمة إلى التواصل والاجتماع الإنساني، إلى بناء علاقات لن تزيد إلا الطين بلة، فتوسع من فجوة عزلته الأولى وترفع من وطأة تخوفاته، وبدل أن تكون هي الدواء، تزيد الداء استعصاء وشدة وتوغلا، بل من غير الممكن أن تكون الأسس والأعمدة هشة ورخوة، ونحن نطمح أن نبني عليها أمتن وأجمل البنيان!