مغلق للإصلاح

183

تصفح سريع لوسائل التواصل الاجتماعي، لمدة وجيزة كفيل بأن يُخرِجك منها مكتئبا، وأن يجعلَ يومك مطبوعا بسوداوية قاتمة…طاقة سلبية أخذت تتراكم في كل من تَراهُم، وتزيد سوءاً عبر دُول الأيام…البيوتُ مُغلَقةٌ، والناسُ كنملِ سُليمان، إلا أنّ سُليمانَ اليوم لا يُرى..الشوارعُ كَفُؤادِ أمِ موسىٰ..وأكثرُ الأماكن والساحات ازدحاما في العالم تشهَدُ راحةً قيسَرية.

لا سبيل لمناقشة تداعيات الفيروس…من أين أتىٰ، ولأجل ماذا؟ ولا للخوض مع نفرٍ أخذوا يعقدون مقارنات بين الطبيب والفقيه، وأيهما أحوج للبشرية، وطائفة تناقشُ ما الأَوْلى: المستشفيات أم المساجد.

تدوير هذه الرحىٰ ليس سوى جعجعة؛ طحينُها إما منعدمٌ أو فاسد لا خير فيه، كما أننا لا نريد وصف الظاهرة، فهي كنارٍ على علم، ولا يزيد وصفها سوى سوداوية زائدة على ما تُنتِجُه السوشل ميديا. الكلماتُ نتاجُ تفكير الإنسان، وما يُشعركَ بحزن أو كآبة، أو فرح وسرور لا يَعدُو أن يكون كلمات مُترجمة عن أفكار، تَرْتَدُّ عندَ قراءتِها أفكاراً أخرى، كلٌ يُجسِّدُ معناها حسبَ ما توفر لديه من آليات. ولطالما آمنتُ أنّ الكثير من كلماتنا وخطاباتنا لو أُنشئتْ بطريقَةٍ أخرى لكانتْ أخفّ وقعاً، وأيسرَ خَطْبا.

“الڤيروس يجتاح كوكب الأرض”، وبه سُميَ “جائحة” ، وفظاعةُ الاسم، تجعل كلّ سامع مرعوباً. تسمية “الجائحة” هو من باب تحصيل الحاصل طالما تاريخ الأرض مِن يومِ ما كانتْ، قائم على التفاعل بينها وبين مكوناتها، فمرةً لبني البشر ومرةً عليهم..المصائب والكوارث تكون في طياتها نِعَم، وڤيروس اليوم كذاك الجراد الذي يهجُم على المحاصيل، فيَضيق المزارعون به ذرعا في سَنتِهِم تلك، لكن بعد النقمة يكتشفون أن الأرض صارت تعطي أكثر وأجودَ من ذي قبل.

لقد أظهرَتْ صورٌ نشرتها وكالة ناسا NASA الأمريكية تراجعا في مستوى تلوث الهواء في العالم، الطبيعة والحيوانات أكبر مستفيد من هذا، ولك أن تتخيل عدد المصانع ووسائل النقل شُلَّتْ حركتُها قسرا، وكفَّتْ شرَّها ردحاً من الزمن ليحيا بعض ما أفسده البشر.

مقالات مرتبطة

دعونا نرى شيئا بمنظار عكسي، تصوّر لو ظهر الوباء قبل عصر التكنولوجيا، لكان قد أحدَثَ فينا القواصِم والبلاوى، ما عرَفَ العالمُ قبل هذا وباءً أسرع انتشارا منه، كأنّه يُضاهينا في حياتنا المتسارعة، أو لعل ذكاءَه أنبأهُ أن عصرنا عصرَ السرعة، فأسْرِعْ. لكَ أن تتخيَل لو أنه كان بهذا القدْر من سرعة الانتشار التي يعسُرُ ضبطُها، ونحن في زمنٍ ما زِلْنا ننتظر فيه أخبار المساء أو نشرة المذياع، أو جريدة صباحيةً كي نعلمَ هل الدولة فرضَت حجرا صحيا أم لا؟ أو هل قرَّرَتْ حظر التجوال على المواطنين؟ لكان آخِرنا وصلَه الخبرُ بعد أن سمِع أوّلُنا بخبر رفعِ حظر التجوال..ولكانت المُخرجات والنتائج وخيمةً للغاية، فضغطة شاشة اليوم كفيلة بأن تُغطيَ الخبر على أوسع نطاق.

العالمُ اليوم بكل كينوناته وَجَبَ أن يجلس جِلسة تأمل يَتَّعظ فيها من شأنِ حروبٍ صُرفَ فيها المال والبشر والوقت، لو أنفَقها في أشياء أخرى لأنفقَ الڤيروسُ جُهدَهُ في مكان آخر.

علَّمتنا هذه النقمَة أن حياتنا الاعتيادية التي كنّا نتسخط عليها هي نعمةٌ ما قدَرناها حق قدرها، علمتنا أن نفكر في نهايتنا الضعيفة مع قوتنا المزيفة، أنْ إذا أصبحنا لا ننتظر المساء، أو إذا أمسينا لا ننتظر الصباح، وبذلك نفكّرُ في من حوالينا أكثر، وننشر الحب والإيخاء أكثر.

سيكونُ مِن المُخزي أن نرجعِ لحياتِنا بعد كورونا كما كُنا قبلها، استهتار وصناعة للتفاهة وتمكين لها على مدار اليوم والسنة، هذه الأزمة اختبار حقيقي لوعي الشعوب، وانعكاس ملموس لمنظومة كل دولة على حدة، فالناجونَ إنما بسبب الشعب، الذي استثمروا في وعيه، والراسبون يدفعون تكلفة التجهيل المُمَنهج أو غير المُمَنهج.

كورونا بمثابة علامة طرقية تُنبئنا أننا كنا على المسار الخطأ، كنا نظُن أنفسنا أننا وصلنا درجةً تجاوزنا فيه عقبات من سبقونا، وربما كان بعضُنا يتنبأ قبل عقود من الآن أن سنة ألفين وعشرين ستشهد وجود بشر روبوتات غير مرئية تقوم بدور الإنسان، أو ابتكار سيارات تطير، أو إمكانية الحياة على القمر أو المريخ..فانتهى بنا المطاف نعلِّمُ بعضنا كيفية تعقيم الأيدي، والطريقة الصحيحة لغسلهما، فكان الڤيروس بذلك منذِرا بعيوبنا.

صحيح أن كورونا جائحة تصيب العالم، وجعلت الجميع يدخل جُحرَه، لكن هَبْ أن الأرضَ محلا ضخما مكتوب عليه لافتة “مُغلقٌ للإصلاح”، وهي الآن في حالة مخاضٍ جديدة لعلها تُنتِجُ مُعَمِّرينَ كَيّسينَ يُقدِرونَها أكثر.