مهارة صنع الحياة من مخلفات الأيام

31

أثناء تعلمنا المشي، والحركة، والأكل، والشرب والكلام، لم يعلمنا أحد القوة، وأثناء دخولنا المدرسة وحين كتبنا الكلمات بشكل صحيح أول مرة، وحين وجدنا حلول المعادلة في مسائل الرياضيات، وحين كبرنا وصرنا نتعلم لغات جديدة وننفتح على ثقافات عدة…لم يخبرنا أحد أن الدراسة، واللغات، والشواهد، والعلوم، والآداب والتاريخ ستصنع لنا ثقافة نقف عليها لكنها لن تصنعنا…

لم نكبر حين حصلنا على المرتبة الأولى في الفصل، بل كبرنا حين غادرنا المدرسة، والحي، والمدينة وواجهنا الغربة بقلوبنا الصغيرة، كبرنا حين تركنا البيت القديم، وودعنا الحي والذكريات، حين أردنا أن نسمع قصص ما قبل النوم وتذكرنا أن أجدادنا قد ماتوا وأخذوا معهم كل القصص، حين اكتشفنا الخدع التي يحيكها الأشرار من الناس، كبرنا حين خبأنا المشكلة عن أمهاتنا وواجهناها وحدنا، حين بكينا وحيدين في غرفة مظلمة، كبرنا حين دخلنا الجامعة نمسك يدنا اليمنى بيدنا اليسرى وكل جوارحنا تصرخ: لا أريد هذا المكان…أريد أمي.

مقالات مرتبطة

الإنجازات التي يجب أن نتحدث عنها ليست فقط هي تلك التي تكتب على الشواهد وتوضع في برواز أنيق نتباهى به، ليست هي التي تتعزز بميداليات أو أوسمة نضعها على صدورنا ونلتقط بها صورا عدة، بل إنجازاتنا الحقيقية هي عندما تصرفنا بشجاعة حين أجبرتنا الظروف على طريق لم نرده، حين صبرنا، وحين اخترنا أن نتمسك بضوء الأمل الصغير فقط كي لا يصيبنا عمى اليأس، حين احتوينا حزن صديق وابتسمنا في وجه غريب علنا نخفف عنه وطأة اليوم، حين قلنا كلمة عزاء لشخص فقد عزيزا عليه، حين استقبلنا نحن كلمات العزاء الأولى، حين حقدنا، حين غاب من أحببناهم وحين سامحناهم لما عادوا.

إن القوة، و الثبات، والصبر، والابتسامة، والألم، والأمل، والوقوف، والانهيار، والبكاء، والصمت، والسماح، والغضب، والهدوء، والقلق، والسهر والأرق، كلها كلمات هي فقط من صنعتنا، مخلفاتها على قلوبنا، الجروح التي عالجنا بعضها وتجاهلنا الباقي، والضحكات التي أطلقنا بعضها ودفنا الباقي، والأسرار التي نكتمها لنحافظ على ثبات علاقاتنا، والنقص الذي نشعر به ويكمله صبرنا، والرضا الذي نحس به بعد الخوف، والاطمئنان الذي تعززه قوة إيماننا، والأيام التي مرت كأنها سنين…كل الأوجاع التي مرت علينا كانت مخلفاتها بمثابة سندنا الآن، هي الدرجات التي صعدنا عليها في سلم نضجنا، وكانت قسوة المواقف هي التي كتبنا عليها قصصنا. تعففنا عن أحلامنا الصغيرة استسلاما للظروف هي التي دفعتنا لتحقيق أحلامنا الكبرى، واختصارنا للحديث في كلمات لا تشبهن هو ما جعلنا الآن نتقن الكتابة، وغياب أصواتنا في البيت والتجمعات العائلية هو الذي جعلنا الآن ننطق جواهرا أو نكتفي بلغة الجسد، وخوفنا من الظلام هو الذي جعل الليل خير أنيس لنا الآن…

أخذ الأمر منا وقتا عظيما لكننا في آخر المطاف اقتنعنا وفهمنا أننا نعيش كي نتعلم من كل التفاصيل، وأن الحياة لعبة ونحن مجبرون على الفوز فيها، لأن الأمل والألم وجهان لعملة واحدة نحن نرميها ونحن نلتقطها…نعم، أخذ الأمر وقتا لكننا في الأخير، أدركنا وتعلمنا وأصبحنا ماهرين في صنع الحياة من مخلفات الأيام.