مواقع التواصل الاجتماعي بين الوهم والحقيقة

تعيش البشرية جمعاء اليوم على إيقاع متغيرات جمة أحدثتها طفرة التقدم العلمي والتكنولوجي الذي اكتسح الإنسانية، وأحدث تحولات جذرية وأدخلها في عصر الرقمية. شكلت طفرة البرمجيات والمعلوميات والإنترنت دورا في بلورة عالم جديد، عالم مختلف السمات ومتنوع التأثيرات، تمخض عنه انبثاق مواقع التواصل الاجتماعي، التي أضحت فسحة في مجال التواصل والإعلام والتسويق والإشهار، قربت البعيد، ويسرت العسير، فانكب عليها الورى من كل حدب وصوب، يشاركون وينشرون اللحظات الرائعة والصور الرائقة، وغدت ميدانا متاحا للتجار للبيع والشراء، وللأساتذة والعلماء، وصناع المحتوى و”المؤثرين” والأناس العاديين؛ حيث شكلت رواجا لم يسبق له مثيل، وأرست دعائم عالم افتراضي يتنقل فيه المرء بضغطة أزرار، ليحلق في هذا العالم، ويغرد وينشر ويشارك ويكون جزءاً منه، في عوالم لا متناهية من الاتصال، والتفاهة، والترفيه، والحقيقة والحياة الوهمية.

نتلقى من هاته المواقع وابلا من الصور، ومقاطع الفيديو، والأحداث والوقائع، منها ما يشدك إليه، ومنها ما تعزف عنه، ونتساءل أهو حقيقة أم وهم؟ أنحن مساهمون في هذا الوهم؟ أتساءلنا يوما لِمَ ننشر صورنا على مواقع التواصل الاجتماعي باستمرار؟ لماذا نشارك بعض خصوصياتنا ولحظاتنا على هذه المواقع؟ ما القصد وراء ذلك؟ أحقا نشارك لمجرد المشاركة، وتوثيق اللحظة وتسجيل الذكرى أم أن لذلك غايات أخرى لا يتسع المقام لذكرها؟

إن منصات التواصل الاجتماعي تشيد صرحا متينا من الوهم والسراب، أهمه العلاقات الرضائية التي تحدث داخل هذا الفضاء، والكلام المختار بعناية، والرسائل الحميمية والأحلام التي تبنى، والأوهام التي تعطى، أهي مبنية على أسس متينة وأرض رصينة، أم هي سراب وأوهام يبددها الواقع؟ فضلا عن ظواهر أخرى من قبيل حب الفضول والرغبة في تتبع الغير تدفعنا لمعرفة كيف يعيش الآخرون، ومعرفة أخبارهم من “نجوم” و “مشاهير”، وكيف يقضون أيامهم، فتضيع أوقاتنا في تفاهات نحن في غنى عنها. وأناس ألفوا النشر والمشاركة بتسجيل لحظات، وتخليد ذكريات، بصور مصفاة ومقتناة بألوان ومظاهر جذابة ذات بهرجة قوية، وطلعة بهية، ومنهم من يشارك لحظاته في أثمن المطاعم بأكلة شهية، وجلسة ندية، ثم آخر يسرح في الأرض مسافرا، وكل يبث أشواقه ولحظاته. وكأن بعض مستعملي هاته المنصات يريد إقناعنا بأن الحياة الدنيا وردية، وحلوة بهية، وشابة حسناء، خضرة غيداء، خالية من الأكدار، منتهية من الأحزان، وشتان بين الدنيا المبثوثة في العالم الافتراضي ودنيا العالم الواقعي.

إن تواصلك الدائم مع الأشخاص والأنس بذلك والسكن والألفة إليه لا يجعل منك شخصا اجتماعيا تأنس وتؤنس، تألف وتؤلف، بل يجعلك في وهم الاجتماعية والأنس، وفور أن تفقد هذا العالم ستعي حجم الوهم الذي كنت تقبع فيه. كما أن نشر الشخص للخواطر والتدوينات وتقديمه لمحتوى ما، قد لا يجعل منه كاتبا ولا حاملا لمعرفة ما، فقد تسول له نفسه بأنه هو من يمتلك المعرفة، وقد تدخله في وهم المعرفة والسيطرة.

إن قصص النجاح التي تروى وتحكى من بعض المدونين و”المؤثرين” في غالبيتها، قصص عن النجاح المادي للأشخاص الذين انتقلوا من مرحلة الصفر والفقر، إلى الثراء دون حاجتهم إلى التعليم، وكأن النجاح قد اختصر في الانتقال من الفقر إلى الغنى، وامتلاك رصيد بنكي كبير، وسيارة فخمة، ودار كبرى، والسعي وراء الشهرة، سوق لذلك وروج له فصار النجاح الحقيقي هو النجاح المادي والشهرة. والحال أن مفهوم النجاح مطاطي، يختلف من شخص لآخر بحسب الأفكار والمعتقدات، ومحاولة حصره في جانب معين محاولة بائسة لا تجدي نفعاً، حتى ظننا أن مشاهير ورواد منصات التواصل الاجتماعي هم فقط الذين حققوا النجاح في دنياهم.

ليس هذا وحسب، إننا نرى ثقافة الاستهلاك والفراغ تحتكر المواقع، كأن الدنيا اختزلت في ساعات العمل وما تبقى فراغ نملؤه بالترفيه عبر ألعاب الفيديو وأشكال المرفهات الأخرى الإلكترونية.

لقد يسرت منصات التواصل الاجتماعي لحياة السهولة وروجت لثقافة اليسر والسرعة، كيف لا والمعلومة صارت متاحة بضغطة زر، والشخص الذي ينشط دائما على هاته المنصات، حينما يريد نشر صورة أو شيء ما، إذا كان صبيب الإنترنت ثقيلا، سيشعر بالضجر وعدم الصبر، لأنه اعتاد على السرعة، فولّد بذلك أفكارا مفادها أن درك المعالي وبلوغ الغايات هي الأخرى تدرك باليسر والسهولة.

إن الشاب المتتبع لهذا، يرى تلك الحياة السهلة التي يروج لها، وقد يجد في نفسه حسرة لما قد يراه من البهاء والسناء، فيبني آفاقا من الأمنيات والأحلام، ولما ينقلب إلى العالم الواقعي يصطدم، ولا يجد تلك الأجواء التي كان يعيشها في العالم الافتراضي.
في المقابل، لا ننكر حجم الفضل الذي أتاحه الإنترنت من خدمات، جراء المواقع والمنصات؛ إذ فتحت آفاقا كبرى وجسورا عظمى لطلب العلم وتيسيره والمساهمة في نشره، فأضحت المعرفة متاحة والوصول إليها يسير، فضلا عن القدرة على قراءة الكتب إلكترونيا، وتيسير سبل التواصل، والتعريف بقضايا المجتمع ومشكلاته والتحسيس بها، وتشكيل رأي عام، ومعرفة ما يجري في العالم، والتعرف على قضاياه ومشكلاته، وفسح مجال لتنمية الذات والمهارات وفتح أبواب التعلم الذاتي.

هذه بعض معالم العالم الافتراضي الذي سجنا أنفسنا فيه داخل أسوار وهمية، جثمت على عقولنا فخضعنا لها. هذا هو العالم الافتراضي الذي صار يعامل على أنه عالم حقيقي، عالم يباع فيه الوهم على حساب الحقيقة. عالم غدت فيه المقاييس بعدد المتابعين وحجم التفاعلات والإجابات، والمشاركات والمشاهدات، والافتخار بذلك والفرح به فرحا عظيما. عالم صرنا نسجل فيه اللحظة كي نعود إليها عوض أن نعيشها بحذافيرها. عالم أضعنا فيه جميل الجلسات مع الوالدين والإخوة والأصحاب، واخترنا لأنفسنا عالما افتراضيا ظننا أنه البديل.

مهما أقنعنا أنفسنا بهذا العالم ستبقى الحقيقة واحدة لا تتغير، وهي أنه عالم افتراضي عنوانه الوهم لأنه معرفة سطحية، ولا يمكن فيه معرفة الغير معرفة حقيقية ما دام غالبه مبنيا على الوهم والافتراض. فليغترف الإنسان من هاته المواقع ما يفيده ويسره، فأسفاه أن يضيع عمر امرئ في تتبع تفاهات وترهات الشبكة العنكبوتية، أوقاتنا أثمن من أن تضيع في تتبع الآخرين ومعرفة ما يفعلون، ولا يصدق كل ما يتلقاه، ولا يغره ما قد يراه من الحسن والجمال، حتى لا تفتن نفسه. إن هاته المواقع سلاح ذو حدين، فقد خسر من جرته إلى التفاهة وضياع الأوقات، وأفلح وغنم من عقلنها ووظفها في الخير واستفاد منها وأفاد.