موت عن طيب خاطر

لقد بات جليا في واقعنا اليوم أن بوابة الانتحار أضحت سهلة الولوج من قِبل مراهقي القرن الواحد والعشرين، وذلك من خلال سلسلة من الدوافع والبواعث التي تشحن أرواحهم سلبا وتعبث بعقولهم الفتية وأفكارهم المتواضعة، وتدفعهم لاستئصال أرواحهم بلا مبالاة مبخٌسة لحياتهم ومفاجئة لآبائهم.

إن أخبار اليوم لا تخلو من حادث هنا لمراهق وُجدت جثته متدليٌة من سقف غرفته وحول عنقه حبل محكم الإثبات ينمٌ عن إرادة مسبقة وقرار يشوبه الغموض، أو خبر هناك عن فتاة قطعت ظهر يدها بشفرة أسفرت عن تمزق شرايينها، بعلة انفصالها عن حبيبها! كل هذا يمخض سيلا منهمرا من الأسئلة؛ قد تنسحب على ماهية الدوافع السيكولوجية أو ربما “الإبليسية” التي تعزز الإقبال على الانتحار في صفوف المراهقين؟ وهل تصرفهم هذا ناجم صدقا عن تبخيس للحياة أم عن دوافع موضوعية تبعث على التسليم والتصديق بها؟

جلي عن البيان، أن مواقع التواصل الاجتماعي ترخي بظلالها على كل جانب من حياتنا، مدجٌجة بأسالبيها الخاصة من غواية وإغراء استهلاكي يؤدي بعقل المراهق بل والراشد أيضا في أكثر الأحيان إلى مقارنة عقيمة، تنخر بجذورها السامة أعماق عقولهم؛ فقيمة حياة البعض هي رهينة بالتطابق الكلي أو حتى الجزئي مع طبيعة ومستوى حياة “المؤثرين”، فإن انتفى هذا التطابق انتفت معه قيمة حياتهم، مما يجعلهم يتخبطون في مخاض من الأفكار الانتكاسية ومستنقع من المشاعر المحبطة.

مقالات مرتبطة

والحقيقة تجد محلٌها في كون مقارنة حياتنا بحياة الآخرين أمر يطمس قدراتنا ويجتثٌ مواهبنا الفطرية وقوانا الشخصية، فقبل التركيز على حياة الرغد التي يتنعٌم بها “المؤثرون” ينبغي الانتباه إلى مسلسل العقبات اللامتناهي وهوس الشهرة والظهور الذي يكابده معظمهم، وهو مرض خفي يبذل من أجله الغالي والنفيس، وسيناريوهات صادمة يجري معظمها في الكواليس تماما خلف الصور التي تبهرنا جميعا.

جدير بالذكر، أن نفوس بعض المراهقين اليوم أضحت ترضخ للنزوات العارضة وتتخبط في مستنقع ما يطلقون عليه بـ “Overthinking”، الذي يُعكٌر مزاجهم ويمحو ملامح المحطة الذهبية من حياتهم “فترة الشباب”، ثم يستأصل أرواحهم فيما بعد.
فاليوم، كل بيت أضحى يعج بحقل من الطاقة السوداوية، ومن ذبذبات أفكار لا تحمل من البياض إلا العدم؛ حيث بإمكانك أن ترمق أخاك أو أيا كان وهو يجلس بأريحية مطمئنة، بوجه تطبعه ابتسامة عريضة، بيد أن عقله يجرفه تيار من الأفكار العكرة، الأمر الذي يبعث على الاستنكار والدهشة عند اكتشاف موته الفجائي.

وبإلحاح من الضرورة، وجب القول إن صلابة دعائم النضج الفكري لدى هذه الفئة و قدرتها على التحمل هو أمر ينتفي كل الانتفاء، فإذا أردنا سبر أغوار عقل فتاة فقدت جادة صوابها وقررت إنهاء حياتها بعلة “تخلي حبيبها عنها” سنتيه في سراديب اللامنطق والغرائبية.

ففي نظري، أن التصدي للعقبات التي تكون بمثابة عصا تشل حركة دواليب حياتنا، لا يتوقف على الشجاعة أو قوة الكاريزما، بل يقتضي الغوص في أعماق ذواتنا والوعي بما يكمن داخل أنفسنا من قوى لامتناهية. وعندها، واقعة الانتحار لن تهيج عواطفنا أو توقظ شفقتنا، وتحول دون اعتبار هذا الفعل تبخيسا لقيمة حياة الفرد وأن وجود أي سبب يروم شرعنة هذا الفعل هو سبب باطل.