ندائي الاول و ليس الاخير … انقوذنا من العبودية

ماذا حدث لأجيالنا الصاعدة ؟؟؟ لماذا كل هذا البرود تجاه القضايا القومية و المآسي الانسانية ؟؟؟ هل هي استراتيجية رأسمالية عالمية لتنويم العقول العربية ام ان التكنولوجيا الذكية أخذت عقلهم الى طريق مسدود ؟؟؟ لعل هذه الاشكاليات تقودنا بشكل قاطع الى التأكيد على ان العالم الاسلامي بصفة عامة و العربي بصفة خاصة يعاني من ازمة حقيقية تتجلى في غياب ثقافة الدفاع عن الهوية العربية المشتركة والهوية الانسانية التي نتشاركها مع بني البشر، ذلك ان اطفالنا و شبابنا اصبحوا يقضون معظم وقتهم على “هواتفهم الذكية” فبين « الفايسبوك »، « سناب شات » و « الكاندي كراش » ضاعت الانسانية من قلوبهم، بل و لم تعد لديهم الرغبة في التربية و التعلم، على اعتبار ان الهواتف الذكية بتقنياتها اللا متناهية اضحت تمنحهم احساساً بالمعرفة « المطلقة » دون الحاجة لأستاذ ينقل اليهم خبرته و لا لمعلم يدرسهم اشياء باستطاعة الهاتف القيام بها في ثوان معدودات و بكبسة زر، و هو الشيء الذي تحدث عنه اشنتاين عندما قال : « أخشى اليوم الذي تتفوق فيه التكنولوجيا على تفاعلنا البشري، حينها سيمتلك العالم جيلا من الحمقى ».

 





كيف اذن سيدرس اطفالنا او ربما « حمقانا » على حد تعبير انشتاين و هم يتنافسون مع زملائهم في الصف عن الذي سيقتني النسخة الاخيرة من هواتف « آبل » او « اندرويد »،و بالتالي هنا تكمن خطورة هذه التكنولوجيات الحديثة لان كلمات من قبيل « مكتبة »، « استاذ »، « كتاب »، « معلم » اصبحت مجرد مصطلحات تم ارسالها، حفظها و تصنيفها في متحف لغوي مغلق بإحكام، لن يفتح الا بعد انقراض الآليات الحديثة، و هو مايعني ان متحفنا سيظل مغلقا طول العمر في انتظار ذلك الجيل الذي سيعيد الكرامة للغتنا و « لأساليبنا البدائية الغبية » استحضر في هذه الاثناء زمن “الغباء” الذي عشناه عندما كانت عقولنا ذكية و الوسائل التكنولوجية غبية، اتذكر جيداً اننا كنا نتنافس مع زملائنا في الصف على من سيقدم افضل انشاء حول القضية الفلسطينية و الانتفاضة الثانية، كنا اذا دخلنا منزلنا أخذنا ريشة الرسم الصغيرة حالمين بالمنزل الذي يسع العالم أجمع، الابيض و الاسود، السني و الشيعي، و « الكافر » و المسلم … و اذا انقضت علبة الالوان كنا نتصفح مجلة العربي الصغير، نتهافت على اعدادها بما تحمله من لعب و مقالات هادفة تأسرنا لساعات، و عندما ننتهي منها، كنا نأخذ اقلامنا في لحظة تأمل لمحيطنا و قضايانا، نكتب مدافعين عن الوطن و القضايا الاممية و حرب العراق، و تحرير القدس رغم صغر سننا، و في اليوم التالي كنا نقارن مع بعضنا البعض في الصف لنعرف من الذي تفوق بقراءة اكبر عدد من القصص او بكتابة اكبر عدد من الاسطر. لا زلت اتذكر جيداً ذلك اليوم المشؤوم، يوم استشهاد الطفل الذي رأيت فيه نسخة مني، اسمه محمد جمال الدرة، لقد كان سنه قريبا من سني، ربما لذلك تملكني حزن كبير لحظة اغتياله، لازالت تلك الصورة لا تغيب عن مخيلتي، صورتنا خارجين مندفعين نحو ساحة المدرسة و نحن تلاميذ في السنة الثانية من التعليم الاساسي للاحتجاج رفقة الصفوف الاخرى بشعارات قوية، و اعلام فلسطينية رسمناها بألواننا، اتذكر انني عندما دخلت المنزل و أريت رسم العلم الفلسطيني لجدي رحمه الله، اعطاني المال، و شجعني رغم مرضه، مما زادني اصرارا للتعبير عن تضامني مع القضية و لكن هذه المرة بقلمي الصغير، حيث اطلعت مؤخرا على دفتر ذكرياتي آنذاك و تذكرت بعضاً من تلك الكلمات التي كتبتها و التي تقول :

مقالات مرتبطة






بأي ذنب قتلت يا صغيري ؟؟؟
أ لأنك ضعيف لا تستطيع حمل السلاح ؟؟؟
أم لأنك فلسطيني ابن فلسطيني خلقت لتستشهد ؟؟
دعني اضحكك قليلاً في قبرك او ربما ابكيك …
أ تعلم كيف عبر العرب عن احتجاجهم على مقتلك ؟؟
لقد ألفوا اغنية “الضمير العربي”،
نعم يا صديقي، نحن امة لا تعرف سوى الغناء…
اتعلم ماذا حدث اليوم في جلسة الامم المتحدة ؟؟
لقد قالوا انك انت المخطئ لانك كنت تمشي في ذلك الشارع، ذلك اليوم و في تلك الساعة بالضبط….
ربما لم يكن عليك الذهاب الى المدرسة، لقد ارادوك جاهلاً فخالفت الاوامر…
أتعلم شيئاً، لقد اصبحت اخاف النزول للشارع …
اخاف ان القى مصيرك، فانا طفلة مثلك، هل سأستطيع العيش بعد موت الطفولة بداخلي .
تأكدت اليوم ان سني لن يشفع لي امام بندقية احتلال او دبابة عسكر.
على الاقل انت رحلت يا صديقي، و ارتحت …
و في الجنة اقمت،
لكني بقيت هنا، شاهدة على مقتلك، انتظر استدعاء القاضي لأروي له ماذا رأيت …
و عندما اخبرتني امي ان قاضي السماء رأى كل شيء، عندها فقط سكتت …

بهذه الكلمات عبرت طفلة الست او السبع سنوات عن وفاة محمد جمال الدرة، لكن اطفال اليوم لا أظن انهم يعلمون بوجود القضية الفلسطينية، او حتى تاريخها و احداثها، اتحداكم ان يكون طفل من جيل الذكاء يعرف ماذا حدث في صبرى و شتيلا، اتحدى طفلًا واحداً ان يكون عارفا معنى كلمة الانتفاضة الفلسطينية، اتحداه ان يحكي لنا عن صدمة النفط الاولى التي قادها الملك فيصل، مجزرة قانا، و مجزرة بحر البقر …اليوم يموت مئات الاطفال السوريين بين خطوط النار و الحدود البحرية، فهل يا ترى يتألم العالم لهم ؟؟؟ هل يعلم اطفالنا بموتهم ؟؟؟ مع الاسف لا لان اطفالنا اليوم منهمكين في وسائطهم التفاعلية الذكية، و يجب الاقرار على ان ما يجعلنا منتمين لدول العالم الثالث هو انعدام الثقافة و التربية على القومية العربية، و القومية الانسانية، ما يجعلنا متخلفين هو الجهل و عدم التعطش للمعرفة، لقد قصفت اليابان بقنبلتين نوويتين قاتلتين مدمرتين، ومرت عليها زلازل مدمرة، الا انها بفضل وعيها و اتخاذ التعليم و توعية العنصر البشري اولية استطاعت استغلال مواردها البشرية للوصول الى التنمية المستدامة و التربع على عرش الاقتصاد العالمي، فأصبحت تخترع التكنولوجيات الذكية و تسوقها لبلداننا الغبية، اذن في عالمنا العربي الازمة ازمة انسان، “هم يدعمون الفاشل حتى ينجح، و نحن نعرقل الناجح حتى يفشل”، اتمنى من كل قلبي ان افتح عيني ذات يوم على عالمنا العربي فأرى الوعي في كلام الاطفال و الشباب لان المستقبل بين ايديهم…و نحن لسنا سوى عابري سبيل ننتظر نهاية فترة امتحاننا الكبير، لنرحل تاركين الوطن و القضايا بين ايديهم.
ليس مجدياً ان نحمل هواتف ذكية، بعقول غبية … عودوا بنا الى الخلف الى زمن الغباء، لان غباءنا كان أريح