نعيمُ العزلة

إنّ الطبيعة البشرية الفطرية للإنسان تستدعي أن يعيش ضمن الجماعة لتلبية الحاجات الأساسية لبقائه، فهو لا يستطيع تلبيتها وحده دون مساعدة الأغيار له، وبالتالي فهو يحتاج إلى وسط يعيش فيه وينتمي إليه ويتقاسم مع أفراده انفعالاته النفسية، ويوفر له الأمن، والسكينة، والتقدير، وسبل الراحة والهناء، ويمكنه من تبادل الآراء، والأفكار، والثقافات والمعتقدات، فيؤثر ويتأثر، وهذا ما يساعد على تكوين شخصية فريدة ومتميزة لكل فرد على حدة.

غير أن هذا التعايش والاختلاط قد يأخد منحى آخر فيكون سببا في العديد من المشاكل التي تؤثر على الفرد، يقول عائض القرني: “الاختلاط الهمجي حرب شعواء على النفس، وتهديد خطير لدنيا الأمن والاستقرار في نفسك، لأنك تجالس أساطين الشائعات، وأبطال الأراجيف، وأساتذة التبشير بالفتن والكوارث والمحن، حتى تموت كل يوم سبع مرات قبل أن يصلك الموت.”

فالملاحظ أننا أصبحنا نعيش في مجتمع لا يتقبل اختلاف الآراء والرؤى، مجتمع أصبحت فيه حياة الأشخاص ككتاب مفتوح، يمكنك من معرفة أي شيء عن أي شخص مما أدى إلى انعدام الخصوصية، فالعلاقات فيه باردة مبنية على التملق، والغطرسة، والمثالية، والاستعراض، وانتحال الفضيلة وتقمص دور البراءة…أما الثقة فمنعدمة؛ إذ لا أحد يأمن للآخر، والكل ينتظر صدمة أو خيبة في أية لحظة، مما أدى إلى ارتفاع هاجس الخوف، والقلق، والاضطراب والترقب القاتل، واتساع رقعة الشبهات، والاستفزاز المتواصل وتضخم النزعة الشخصية، فتحول هذا العالم إلى عراك كبير، ينقب فيه الكل عن مصالحه ويسعى للوصول إليها حتى وإن انتهك حقوق الغير و تسبب في أذى نفسي أو جسدي لهم. مجتمع أضحت فيه آراء الناس تتسم بالقداسة، فأصبح المرء ملزما ومكبلا بها كأنها دستور يقيد أفعاله، فاستغنى عن عقله وهمش دوره، وهذا التهميش ما هو إلا نتيجة لعدم تقدير الذات واحتقارها، والحصيلة الدخول في كهف مظلم مجهول حيث الرؤية ضبابية.

والنجاة من هذه المشاكل تكمن في الاعتراف بوجودها ومن تم إيجاد حلول لها، لكن البعض لا يمتلك الشجاعة والجرأة لمجابهة المشاكل، ومواجهة الذات، ومكامن النقص فيها، والعيوب الموجودة في تشعباتها الداخلية…وينكر ويتجاهل الجانب المظلم ويحرص على إظهار الجانب المشرق والصورة المثالية المزعومة، فيحاول أغلب الناس عدم الاكتراث لها أو الهروب منها عن طريق إشغال النفس بأشياء أخرى، أو اللجوء لإدمان الكحول والمخدرات أو القمر..والتي لا تزيد الطين إلا بلة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هي الطريقة الفضلى للخروج من هذه الضغوطات والوصول إلى السلام الداخلي؟
الحل هو أن يعود المرء لذاته، ففيها توجد الإجابات والحلول ويتم ذلك عن طريق اعتزال الناس لمدة مؤقتة ليخلو المرء بنفسه وذاته.

يقول دوستويفسكي: “العزلة زاوية صغيرة يقف فيها المرء أمام عقله.”

مقالات مرتبطة

فالعزلة هي ذلك الانفراد المُبهج والاتصال الروحي الخالص الناتج عن صفاء الذهن من ضجيج الحياة، إنها فترة زمنية تمكننا من إعادة النظر في المعتاد والبديهي وطرح التساؤلات النابعة من العمق، فالتساؤل دليل على الشك، والشك يدل على الخروج من قوقعة البرمجة وفك أغلال الأفكار الهدامة، وبالتالي انفتاح العقل وبحثه عن حقيقة ذواتنا والأمور من حولنا…فللعزلة الإيجابية قدرة رهيبة على تحويل اللامفهوم لمعرفة ويقين، وكسر وترويض “الإيجو EGO” أي الذات المزيفة التي تخدعنا وتمنعنا من تقييم المواقف بموضوعية، وعلى ابتلاع الآلام وتحويلها إلى أمل وقوة فمن الألم تتولد العظمة.
في العزلة نكون قد أبرمنا هدنة مع الحياة، مما يجعل النفس تمتلئ بالهدوء والسكينة، أما الصمت الذي يكسوها فما هو إلا وقت سماع الحقيقة، ولحظة تقوية عضلات الوعي، والسمو بالنفس عن القشور والانشغال بالمضمون. هذا الغياب العرضي يمكننا من بلوغ الاتزان العقلي، والحفاظ على التوازن العقلي والوجداني للأفراد، أي الحفاظ على توازن المجتمع نفسه وتحقيق الأمن والسلام والسعادة داخله…

إن العبرة ليست بالابتعاد واعتزال الناس والانكماش على الذات، إنما العبرة بالثمار التي نجنيها من العزلة كالراحة النفسية والوجدانية، والسلام الداخلي، واتخاذ قرارات لها طابع الديمومة قرارات منسجمة مع بوصلتنا الداخلية، وتصحيح وتقوية العلاقات سواء العلاقة مع اللَّه أو الذات أوالناس، وفهم التناقضات الحادة للحياة ومحاولة التكيف مع متغيراتها وفهم وتقبل تقلباتها.

هذه الكلمات بحد ذاتها تجلب الهدوء والراحة النفسية… كلمات تشفي الروح وتحفزها على الرجوع للونيس الأمثل ألا وهو الذات، ولكن لا يمكننا إنكار أن طريق الاتصال الروحي شاق مليء بالآلام، والجروح، والمطبات والعقبات التي تتطلب إرادة كبيرة وعزيمة فولاذية والصبر الطويل، إلا أن حلاوة الوصول تنسينا عناء ومشقة الطريق…
وللحصول على النتائج المرغوبة من العزلة لابد من العودة للوراء وإعادة النظر في العلاقات الهشة للحسم فيها، والعادات البالية والمعتقدات المزيفة لبترها، والأفكار المتورمة لاستئصالها، والقرارات المبنية على العاطفة لعقلنتها…فالذات مكونة من تحالف غامض بين التجديد والتغيير الخلاق من جهة، وبين الاحتفاظ بالقيم والمبادئ الصحيحة القديمة من جهة أخرى، هذا التحالف الجدلي يمكن من إنتاج ذات متكاملة ومتماسكة قادرة على مجابهة الحياة مرة أخرى وإسدال الستار على الماضي بتجاربه الإيجابية والسلبية و لخطو نحو صفحة جديدة دون تحسر على الأطلال..

وتعتبر العزلة بمثابة أرض خصبة لتطوير وتنمية ما أصبح يسمى ب “الذكاء العاطفي the emotional intelligence” الذي يشمل ضبط النفس والقدرة على تحفيزها، ويمكن الشخص من إدراك عواطفه، وإدارتها، والتحكم فيها، والسيطرة عليها، وتقييمها والتعبير عنها، وأيضا التعامل معها بكيفية صحيحة والاستجابة لها بالطريقة المثلى.


ويتجاوز الذكاء العاطفي الإدراك الذاتي للمشاعر إلى إدراك وتحديد مشاعر الآخرين، مما يسهل عملية فهم ما يشعر ويحس به الآخرون، وهذا ما يساهم في إنشاء علاقات صحية أكثر…

ولا يجدر بنا أن ننسى أهم وأعظم وأسمى علاقة وهي علاقة الإنسان بربِّه، ففي العزلة نفتح باباً أكثر اتساعا فتتصل الروح بالسماء، وتقترب من الله أكثر وتزداد الثقة في الله ونُسلم له تعالى فتطمئنُّ القلوبُ وتسكنُ الأرواحُ، فهو الملجأ عند الضعف وعند كل شعور بانكسار، أو قنوط، أو يأس، أو صدمة…نلجأ إليه عز وجل ليهيء لنا من أمرنا رشدا، وما أعظم هذا اللّجوء الذي يعيدنا مثقلين بالأمل، ممتلئين بقوة روحانية مبنية على أساس صلب فنصبح أكثر صبرا على ما لم نطق عليه صبرا.

قال عز جلاله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]

فبالقرب من اللَّه تتلألأ ظلال الحكمة وتُسْتنار البَصيرة، فنُدرك حقيقة النّاس وتفاهة الدّنيا ومهمتنا الجَوهرية فيها، وأننا كلنا نجري وراء السراب وأن الدنيا دار امتحان ولم تكن يوما دار إقامة؛ فهي زائلة بخيرها وشرها بل يجب التفكر في الآخرة، والاستعداد للقاء اللَّه بالاستغفار والتوبة المتجددة، وترك المعاصي ما ظهر منها وما بطن،

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن اللَّه يحب العبد التقي الغني الخفي.))

وقال ابن تيمية: “لابد للعبد من عزلة لعبادته وذكره وتلاوته، ومحاسبته لنفسه، ودعائه واستغفاره، وبُعده عن الشّر، ونحو ذلك.”

لكن قد تتضارب الآراء وتختلف حول تحديد ماهية العزلة فهناك من يراها عكس ما سبق على أنها حالة من الاكتئاب، والانطواء والانهزام، والهروب من الواقع، ومن مسببات أمراض مزمنة كأمراض القلب والأوعية الدموية…وأيضا تمنع مجارات التطور المُتسارع للحياة، وغيرها من الأضرار…

إلا أن المعلوم هو أن التطرف في أي فعل أو فكرة يؤدي إلى نتائج كارثية وغير مستحبة، وهذا ما ينطبق على العزلة، فالغوص فيها لسنوات يؤدي حتما للاكتئاب والانطواء؛ لأنه يتنافى مع الطبيعة الاجتماعية للإنسان، على عكس العزلة المؤقتة (أيام أو أسابيع قليلة) التي تعتبر بمثابة فسحة للتصَالح وفهم الذات..وفي نفس الوقت يستطيع الشخص أن يعيش عصره ويتماشى مع إيقاع التطور.

يقول الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين الجزء الثاني: “إذا عرفت فوائد العزلة وغوائلها تحققت أن الحكم عليها مطلقا بالتفضيل نفيا وإثباثا خطأ، وكلام الشافعي رحمه الله هو فصل الخطاب، إذ قال: يا يونس، الانقباض عن الناس مكسبة العداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء فكن بين المنقبض والمنبسط.”

ويبقى قرار التطرف أو الاعتدال في استعمال العزلة بيد الشخص، فهو مرهون بمستوى نضجه، وقدرة تمييزه بين الصالح والطالح، ومستوى ذكاء اختياراته وفهمه لمبدأ “لا إفراط ولا تفريط”.