همسات إيجابية / عز الدين عليوي

الحياة في عمقها الوجودي هي تحمل المسؤولية، المسؤولية عن ما يخالج وجداننا، ويحول أفكارنا إلى أفعال. يمكن للإنسان أن يقوم بكل شيء إذا أراد، خصوصا إذا كان مؤمنا به، فلماذا إذا يضع الأحجار في طريقه بكل تلك الأفكار السلبية التي يطوق بها نفسه؟ أعتقد أنه شيء من الطبيعة البشرية التي تفترض دائما الأسوأ. إنها تلك الشكوك الأولى التي توقف الشعور بنبض الحياة وانسياب حلاوتها، وتضع الإنسان في دوامة النسيان، فقد ينسى كيفية التفكير بشكل إيجابي، بل الأهم والأخطر من ذلك، قد ينسى أن يكون ممتنا تجاه الآخرين.

أعتقد أنه من هذا المنطلق يمكننا أن نميز أحد أهم مفاتيح السعادة، هل أنتم متشوقون لمعرفته؟ سأجيبكم ببساطة الحياة؛ إنه الإنصات الرصين لهمسات الإيجابية؛ أقصد بهذا أن نكون ممتنين للغاية، ممتنين لصحتنا ولمن حولنا، لآبائنا، لعائلاتنا، لأصدقائنا، لمجتمعنا، لمأكلنا، لمشربنا، لملبسنا، لحزننا، لحبنا، لفرحنا، لانكساراتنا، لإنجازاتنا، لطموحاتنا، واللائحة تطول. بذلك، نحن وحدنا مسؤولون عن أنفسنا وأفكارنا، وعن الطريقة التي نرى بها الأشياء. إنه لمن السهل إلقاء اللوم على الآخر، سواء أكان شخصا أم ظرفا، ولكنه أيضا من السهل الممتنع أن ننصت بإمعان لهمسات الإيجابية، فمن رقيق الهمسات أن يدع الإنسان دور الضحية ويتحمل المسؤولية عن حياته.

الإيجابية تعني حالة التطور القائمة على قوة النفس، باختصار: رأس المال النفسي؛ ويتجلى هذا بدورها في الدعم المتبادل والتسامح بين البشر، وعلى المستوى التفاعلي، الإيجابية تحفز فوائد جمة مثل رأس المال الاجتماعي والقدرة النفسية التعاونية. يتجلى هذا في ظواهر مثل الالتزام التطوعي، الحس الجماعي، والمصير المشترك للبشرية، ولنا في أزمة كورونا “الإيجابية” خير مثال ودليل.

مقالات مرتبطة

قوت القلب السحري

ورطة الحجر

مع كل المواقف والتجارب السلبية الموجودة دائما في الحياة اليومية، يجب على بني البشر ألا ينسوا كل ما هو إيجابي، إذا ركزت كثيرا على السلبيات أو الخطأ الذي قمت به في يوم ما، فأنت لا تستغل الفرص وتغفل النجاحات. لهذا السبب، على سبيل المثال، يجب تسليط الضوء على الأشياء الإيجابية في مناقشاتك مع الآخرين، وينبغي مناقشة الفرص السانحة وليس الضائعة، طالما أن السلبيات لا علاقة لها بالبقاء الوجودي وتسبب أزمات نفسية ومجتمعية، يجب أن تكون دائما ذلك الشخص الذي ينير الطريق عوض تسويدها.

في مجال العلوم الإيجابية مثلا، يتعامل منهج “الاستفسار التقديري” لديفيد كوبيرايدر بشكل خاص مع ما هو إيجابي؛ يتعلق الأمر بالانطلاق من نقاط قوة وموارد الحس الجماعي، والتي يجب تطويرها بشكل أكبر. وبهذا، حب الإيجابية هو علم تجريبي يركز على الظواهر الإيجابية في المجتمع. يركز على نقاط قوة الناس، وليس نقاط ضعفهم، ويبحث عن الطاقات الحية والقابلة للتطوير، إنه بالفعل يعزز الظواهر الوظيفية مثل المشاركة، والتحفيز، والرغبة في الأداء، وجماعية الإنجازات.

لا شك أن الحياة بعد كورونا ستأخذ طبعا مختلفا تماما عن ما سبق، ولا شك أيضا أن كل الظواهر الاجتماعية التي عايشناها في هاته الفترة تشكل موردا مهما يمكن البناء عليه. أليس كل ما مررنا به هو إيجابي في الحقيقة؟ كثيرون سيختلفون معي في هذه النقطة، لكنني أجيب عن اختلافهم بسؤال إيجابي: أليس الالتزام الجماعي والتضامني إيجابي؟ نعم، فكل ما لاحظناه لا ينفصل البتة عن حب الآخر، والخوف عليه، والتضامن معه، ونشر ممارسات صحية صحيحة لتصير هي الأساس في مجتمع أولادنا مستقبلا. ستجيبون حتما بأن المرض والموت هو شيء سلبي، والحقيقة خلاف ذلك تماما، بل هو تخفيز إيجابي لتغيير مجموعة من السلوكات الصحية والاستهلاكية والمعيشية السلبية في المجتمع.

كيف هو حالكم الآن؟ هل لا زالت الأحجار السلبية تداعب أفكاركم؟ هيا، لا تنتظروا، حطموها؛ إنه سهل ممتنع، لكن سراديب الحياة تستحق نوره عن جدارة.