هوس الأرقام

هل جربت يوما أن تستيقظ ولا يعلم بذلك أحد؟ أن تأكل وجبة من المطعم ولا تصورها، أن يعجبك كتاب ما أو سطر في رواية ولا تشاركه أحدا، أن تسافر إلى بقاع العالم ولا تنشر صورك بل تلتقطها للذكرى فقط، دون اللجوء إلى نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟ لا تستغربوا مما كتبته، فهكذا عاشت الأجيال التي أسلفناها قبل أن تحل علينا لعنة الأرقام، كانوا يعيشون حياتهم على الوجه الأمثل.

الترويج للمثالية وحصد الكثير من الإعجاب، أصبحا هوس الأغلبية إن لم نقل الجميع، حتى صارت علاقتهم بأجسادهم علاقة مادية لا تربطهم به أي رابطة حب أو تقدير، فإن العروة بين الجمال وتقدير الذات وثقى لا انفصام لها. هذا التعطش للصورة الكاملة يؤدي إلى عدم الرضى وتوسيع دائرة المقارنة والتأرجح بين الفضول والنفور. لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي طريقة التعامل مع الأرقام؛ حيث أصبح الشغل الشاغل لمستهلكي هذه المواقع هو عدد المتابعين، حتى أضحى من الصعب تجاهل ذالك. قديما كان المؤثرين نجوما أو فلاسفة أو باحثون أو علماء، لكن في زمن السوشيال ميديا “إنستغرام، وفايسبوك، وتويتر ويوتيوب” يمكن للجميع أن يصبحوا في قائمة المؤثرين، يجب فقط أن يتوفر حسابهم على العديد من المتابعين والمعجبين وأن ينشروا الجانب المضيء من حياتهم والتي هي طبعا حياة تخلو من أي عيب أو نقص، وجه جميل، قوام ممشوق، طول معتدل، شعر حريري وابتسامة ساحرة، ناهيك عن الملابس من ماركات عالمية…وقبل تنزيل الصور، من الضروري تعديلها بالفوتوشوب لكي تبدو بهذه المثالية، وهكذا يزداد عدد المتابعين وتبدأ المنافسة بينهم، من لديه أكبر عدد، مع العلم بكبسة زِّرْ يصبح هذا الحساب بصوره ومتابعيه في خبر كان، وهنا يبدأ الصراع الداخلي لأنه تم ربط القيمة والنجاح بالأرقام.

مقالات مرتبطة

لكي أكون منصفة، لا يمكن نكران الطبقة الواعية من صناع المحتوى الذين يساهمون في نشر العلم والمعرفة بدون طلب الاشتراك أو الاعجاب في بداية ونهاية الفيديو، يكتفون فقط بمشاركة متابعيهم كل ما ينير بصيرتهم ويزيدهم وعيا في شتى المجالات، هم أصحاب المحتوى الهادف، ويسيرون على هذا المنهج مهما كان عدد المتابعين؛ فهم على ثقة تامة أن القيمة والقوة ليست بالأرقام، كما قال ألبير كامو: “إن مهمتي ليست أن أغير العالم، فأنا لم أعط من الفضائل ما يسمح لي ببلوغ هذه الغاية، ولكنني أحاول أن أدافع عن بعض القيم التي بدونها تصبح الحياة غير جديرة بأن نحياها ويصبح الإنسان غير جدير بالاحترام.”

أخيرا وليس آخرا، لو امتلكت مواقع التواصل الاجتماعي روحا لكان لونها أسودا، لم نعد نعير اهتماما للتفاصيل الصغيرة التي كانت تبهجنا قبل أن نختلط في مجتمعنا الثاني الوهمي؛ حيث لا وجود للبساطة والحياة العادية البعيدة عن التعقيد والتكلف. يجب أن نعي أنها مجرد صور وأن محاولة التأقلم مع هذا الكم الهائل من المثالية مصيره الفشل، وأن التنافس الحقيقي يكون بين المرء وذاته، كما ينبغي الإيمان بأن السبيل إلى السعادة والنجاح لا يعتمد على الأرقام الوهمية.