وإنك يا زمان لذو انقلاب!

الوقت أو الزمن، ذلك العامل الغريب، دائما ما يجعلني مبهورة بقدرته على تغيير الذي كان يبدو مستحيلا أن يتغير، ودائما ما يأسرني بالسحر العجيب الذي يحمله في طياته كل حين، مهما اعتقدنا بأننا تمكنا من أنفسنا، من أشيائنا، من غاياتنا أو حتى من مفاهيمنا للأمور والأشخاص، برهن لنا في كل مرة أننا لم ولن نحصل من الفهم والتمكين إلا ما شاء أن يرينا أو أن يوهمنا به، ما اعتقدنا اليوم نكفر به غدا، وما كفرنا به نؤمن به حد التعصب، لا ثوابت ولا ضمانات!

الكل محال إلى التغيير والتبديل أو ربما الزوال! ما صحنا مفتخرين ومهللين به البارحة ها نحن ذا نستحقره ونخجل منه اليوم…نتخلى عما ظننا أن التفريط فيه وبه محال، ونستغني عن العزيز الذي لطالما حاربنا لامتلاكه، نفارق وكأننا لم نلتق يوما، وننسى وكأننا لم نعمر أبدا، نحب ما كنا نكره، ونكره ما كنا نحب، وتمضي بنا الأيام لتجعل منا أشخاصا لا تشبهنا ولا نشبهها أبدا، مبادئنا التي حاربنا وضحينا من أجلها بأشخاص ومواقف وفرص، ها نحن الآن نضرب بها عرض الحائط، ومعتقداتنا التي رأينا فيها النور والطريق، ها نحن نكفر بها ونستسقي هدايتنا من البديل الذي ما كنا لنهتدي به أو له يوما، مراجعنا تتغير، وشجاراتنا وسط النقاشات والمحادثات لرأي تعصبنا له ودافعنا عنه بكل جوارحنا ها نحن نأسف لها ونستجدي من ضد ونقيض آرائنا الاقتناع التام، أمور لطالما قدسناها وعظمناها وها هي ذي تصبح الآن عادية في أعيننا أو أقل من العادية، وأخرى لم نفكر يوما في الإقدام على فعلها أو الاقتراب منها إلا إنها أضحت اليوم الحياة بأكملها، والأدهى أن غدا لا يضمن بقاء الأمور على حالها، فوارد أن نجد حسبة أخرى تغير مجرى الأمور نحو وجهة لم نتوقع احتمال حدوثها يوما.

هذا التغيير يشدني، يجعلني هذا المفهوم في ذهول وحيرة، فلا منطق يؤمه ولا قواعد تؤسه ولا مستحيل في قاموسه؛ إذ إن كلامي هذا الذي أكتبه الآن باقتناع تام وشديد وبإيمان خالص، وارد جدا أن أضحك عليه غدا، أو حتى أن أختلف معه بعد سنة أو سنتين، ومحتمل أيضا أن أكتب نفس الكلام بعد عشر سنوات لكن بصيغة أخرى ظانة أنني غيرت منه أو خالفته.

الحياة لا تتبع منحنى خطيا يشدنا نحو الأمام دائما، بل هي رحلة ذهاب وإياب، تأخذنا في تجارب وترجعنا تارة محملين بأفكار جديدة، وأخرى فاقدين أفكارنا القديمة، وفي المسير نفقد الكثير، إلا أننا نكتسب الأكثر، وكأن للمكتسب ضريبة على شكل فقدان لاستحقاقه، فللنسيان ضريبة، وللتأقلم ضريبة، وللاستقامة ضريبة، وللحكمة ضريبة، وللتعود ضريبة، باختصار شديد: لا مقابل لما لا مقابل له! ضريبة النسيان ألم وتألم وحسرة وليال نسهرها ونحن نتذكر تفاصيل التفاصيل، وضريبة التأقلم غربة تمرر طعم كل حلو، وضريبة الاستقامة تخبطات واعوجاجات، وضريبة الحكمة ضياع وضلال يعمينا عن كل صائب، وضريبة التعود نكران مرير ينسينا واقعنا ليعيشنا في أكاذيب زائفة وزائلة؛ إذ كلما غلا سعر المفقود زادت معه قيمة المكتسب! وكأن الحياة محطات، والانتقال من محطة لأخرى يفرض علينا الاستغناء عن بعض أحمالنا لبلوغ وجهتنا، وهنا تكمن كل المفاجآت! فلا ضامن لكون ما سنتخلى عنه سيساوي أو سيضاهي جمال وقيمة الرحلة المقبلة، فمحتمل أن نجد ما يعوضنا خسارتنا ويزيدنا غنى، أو ما يجبرنا على التخلي عن المزيد ليخرجنا منها خاليي الوفاض عطشين باحثين عن ذواتنا من جديد، وفي كل خير؛ لأننا في كلتا الحالتين سنمضي بلا توقف، إما ساعين لإتمام نقصنا أو باحثين عن المزيد. هذا عن المسير، أما إن نظرنا إلى النتائج بهرنا، فما بين المحطة والمحطة تضيع تفاصيل الطريق، وهذا ما يفسر صعوبة بل استحالة إمكانية الرجوع إلى نفس المحطات، وهنا يتموضع سر الزمن!

الأغرب من هذا كله، أننا نتعامل مع ما يفعله الزمن وكأنه عادي، في حين أنه يكاد يكون بمثابة معجزة تحدث بشكل دوري غير محسوس؛ فلو أن كل واحد منا أعاد الشعور بما عايشه في لحظة الفراق ورجع ليقارنه بمرحلة التعافي لذهل من هول الفرق، ولو أن كل متشبث بات يقسم على الوفاء والاستمرار رأى نفسه الآن وهو يجد راحته في البعد والتخلي لما هدأ له بال ولا سكن له خاطر من فرط الدهشة.

عجيب حقا هو تغير معنى الأشياء وقيمة الأشخاص وترتيب الأولويات، فما بين الأمس واليوم حتى معاني المعاني تتغير! مهما بدت هذه الجملة فلسفية الأبعاد إلا أنها واقعية حد التعجب! كلما تأملت في هذا الأمر، وجدته بعبثيته المتوازنة وبتوازنه العبثي، الثابت الوحيد الذي لا يؤول إلى التغيير! ووجدت فيه دروس الحياة العظمى، فمن انتبه لهذه المعجزة التي تحدث كل الوقت بشكل روتيني، وجد فيها أجوبته لكل الأسئلة الوجودية، فنسبية الحياة هي ما يكسبها توازنها واعتدالها! إذ بقدر ما هو مخيف ما يفعله بنا الزمن لكونه غير مرتقب وبعيد عن حساباتنا ومخططاتنا، إلا أنه مطمئن في الوقت ذاته، ففكرة أن الديمومة لم ولن تكون من نصيب أي شخص أو شعور أو أمر أو شيء سوى التغيير، تحمل من الراحة ما يجعلنا نكمل المسير دون حاجة إلى القلق أو التفكير، وعظمة قدرة الزمن تكمن في المغزى والرسائل التي لا ينأى ولا يكف عن تبليغنا إياها في كل ثانية تمر، فبطريقة أو بأخرى هو يذكرنا بحقيقة الدنيا: الفناء! فلا دائم ولا مقيم ولا معمر ولا ثابت سوى خالق المتغيرات المؤقتة العابرة!