يا ابن آدم.. ولحزنك عليك حقا!

281

أحيانا نجد أنفسنا تائهين، نستغرب مما أصبحنا عليه، أصبحنا غرباء عن أنفسنا، ندور في دوَّامةِ أحلامٍ لم تكن لنا يوما ولم نكن لها أبدا، قد تبحث عن ذاتك القديمة فلا تجدها، عن ذاتك التي كانت ملأى بالحياة وكانت تقاوم لتسعد، تتساءل أين اختفت؟ ولماذا اختفت؟ تتوسل لها أن تعود فتأبى وتكابر، بالله عليك يا نفسي عودي فقد اشتقت لمعانقة سماء الحياة، عودي لي يا أنا، أنبتيني للحياة مرة أخرى، لماذا تركتني؟

ما الذي فعلته لك لتقسي علي هكذا، أهكذا تعاهدنا منذ أن شهقنا معا أول شهيق حياة؟ قد تتساءل ولا تنتهي تساؤلاتك، تظن أن الحياة وذاتك قد خانتاك وفي الحقيقة نحن من نخون الحياة ونخوننا أيضا، قد نتعجب كيف؟ كيف لا وفي لحظات الضعف التي نمر بها، نتجاهل ضعفنا أو قد ننهج أسلوبا خاطئا في كيفية التعامل مع ما نشعر به، فالإنسان في الأصل عبارة عن الشعور والإحساس الذي ينتابه في مختلف التجارب التي يمر بها.

شعور الشغف وهو مقبل على تحقيق حلمه، شعور الخوف من الفشل مثلا، فمشاعرنا هي المحرك الأساسي لنا، أما الحزن ذاك الشعور القاسي الذي يجعلنا نختنق فيخيل لنا أننا نأخذ أنفاسنا من فتحة إبرة الخياطة، في تلك اللحظة كل ما يتطلبه الأمر منا أن نعيد الصلح مع ذواتنا، أن نكلم أنفسنا عن كل ما تجاهلناه وتهربنا منه ظنا منا أننا لا نهتم، بل وأننا أقوى من هاته التوافه كما نصفها، وفي الحقيقة نكون قد كدسنا الكثير من الأشياء “التافهة” التي قد تغيرنا تدريجيا، بدون إدراك منا لنصبح غرباء عن ذواتنا مانحين للحياة حق الانطفاء ونحن لا زلنا نستهلك أكسجين الحياة جاعلين الحزن عدوا!

مقالات مرتبطة

من حق كل انسان أن يحزن لا يهم على ماذا، فلكل منا وُسعه، قد ترى أنني أحزن على شيء تافه بنظرك وقد أرى نفس الشيء بالنسبة لحزنك، المهم ليس في تفاوت مفهوم الحزن بيننا، ولكن الأهم هنا أن نعطي أنفسنا حقها في الحزن فهذا لا ينقص من قدرنا شيئا بل سيزيدنا رفعة إذا ما وجّهناه ليحقق ما أتى لأجله، لأجل إصلاح خرابنا الداخلي، وجب علينا أن نحسن ضيافته عند زيارته لنا، فنحن نتعامل مع أعمق شيء قد وُجد فينا.

عيب أن يزورنا هذا الشعور الجميل الحساس ونرجعه خالي الوفاض، يجب علينا أن نملأه ونغمره سعادة ومحبة وعطاء.
أن نعطي من وقتنا ولو دقائق معدودة لنجبر خاطر الحزن، ابك معه إذا وجدت عيناه قد اغرورقتا دمعا، فالحزن لا ينتظر منك الاستقواء على ضعفك بل ينتظر منك خفض جناحيك، لينفض عنك ما قد ترسب من غبار الحياة، فتنطلق بقوة لمواجهتها لتحلق عاليا من جديد بنفس جديد، ابك مع حزنك ودعه يفيض لك بما في قلبه. لا تتجاهله فهو مثلك يبحث عن قلب رحيم يخفف عنه شدة شعوره، لذا قبل أن يدخل عتبة قلبك استقبله بكل إصغاء، حاول أن تفهم سبب زيارته إذا أمكن لأن علاجه سيكون أسرع وأدق وتأكد أنه قد لا يعود لك مرة أخرى لأجل نفس السبب.

أما إذا تجاهلته سيكون علاجه أصعب ومن الممكن أن يتحول إلى حالة نفسية قد تلازمك الكثير من الوقت ربما، ومن الممكن إذا أهملته سيتعمق فيك أكثر فينمو شيئا فشيئا ليصبح اكتئابا -طبعا في حال كانت جيناتك الوراثية على استعداد للإصابة به- ليكون تحديك أكبر هذه المرة، دلّـلـــه بكل ما أوتيت من سعادة ورضا، وأخبره أنها مرحلة وستمر وأنه سيطمئن وسيصبح سعيدا بل إنه مثلنا تماما يعرف أن الأمور ستتحسن لكنه يحتاج لتذكير عله يستريح، افعل كل ما تستطيعه فقط لا تدعه ينمو ويغرق فيك أبدا ولا تجعل منه عدوا.

لا تحاربه، بل وجّهه إلى الطريق السوي هكذا يستقبل الحزن، ففي جميع الأحوال لا سلطة لنا عليه، قد يزورنا فجأة بسبب وبدون سبب أيضا، ما علينا سوى أن نواسيه وندله على طريق الرضا والطمأنينة بقرار ووعي منا، أن الحزن شعور لا نستطيع أن نكبحه ولكن طريقة تعاملنا معه قد تؤثر على حالتنا النفسية، ما نفعنا إذا لم نتواصل مع ذواتنا وأنفسنا، أيسهل علينا التواصل مع أقاربنا وأصدقائنا وكل ما حولنا ونعجز عن خلق قنطرة تواصل بيننا وذواتنا؟
لنحيي صلتنا مع أقرب أقربائنا مع ذاتنا ولنفدي ذاك الحزن ببعض الدموع ونضحي من وقتنا لنتقبله ونسعده.

قد تختلف وسائل الترفيه عنه ربما سينفع معه التأمل والتدبر في خلق الله، وربما قد يريحه التحدث لصديقك المقرب، فكن مترجما له أثناء الحديث، وربما آية قرآنية أو سجدة عميقة مكللة بالدعاء تغسل هذا الحزن، أوقراءة كتاب أو مقال أو نص، أو مقطع موسيقي، أو قد تكون كل هذه الأشياء وأكثر لعل الحزن يهدأ…الجميل في الحزن أنه شعور يجعلنا نتأكد من هويتنا الإنسانية لكونه يخاطب أعمق ما فينا، قلوبنا وضمائرنا، فيزورنا من حين إلى حين فإن لم يفعل فلنطلب السلامة لقلوبنا أولا ثم لإنسانيتنا.