هل للحزن معنى آخر

لم يكن الحزن يوما عبئا ثقيلا على قلوب الصابرين الموقنين بأن كل شيء زائل، بل على عكس ذلك، إنه المحفز دائما، فكلما اشتد الحزن، تظل الذات المرجع الأصيل، والهروب لها وإليها واجب. فعلى المرء أن يتعود على رمي سهام طموحاته في الزاوية المشعة بالأمل، صدقوني، يأتي الأمل بقوة خلال فترات الحزن وبعدها، وكمية الفن والإبداع التي يخلقها الحزن بذواتنا لا تقاس، عيشوا الحزن، اصغوا لهسيسه الوجودي، تمعنوا فيه، ودققوا في معانيه.

ينبع كيان الإنسان بالفن ويتوهج بشعلة لا تنطفئ، والحزن يزيد شرارتها، وإن تمعنا قليلا وجدنا أن أعظم الناس هم من جعلوا من حزنهم حافزا، فلا فرطوا ولا أفرطوا بل عاشوا الحزن بحزنه، وتأملوه، ووجدوا حلاوة الوجود فيه.

وأنا أخط هاته الأسطر تذكرت بعض أقوال جدي، حين كنت تائهة في نفق الحزن المظلم: “اعتدلي يا ابنتي، اعتدلي وتوسطي في كل شيء، فلا تفريط ولا إفراط”، كانت هذه عبارات جدي. قد يتهيأ لك للوهلة الأولى أن حديث جدي مجرد كلام لشيخ ولا يجب أن نعيره أدنى اهتمام، لكن كلما زاد نضجي زاد فهمي لكلماته الحكيمة. قد نختلف عن بعضنا كثيرا، لكن تحكيم العقل يظل نقطة التقاء، نفكر ونقرر به، ننتج ونتطور ونزهر به، ومرات يأخذنا أو بالأحرى نأخذه إلى القرار الخطأ لنسبب الحزن لذواتنا ونؤذيها دون قصد.

مقالات مرتبطة

قد أفلح من زكاها

من كل زاوية!

كن أنت كما أنت!

“لقد فعل فلان بـ فلان، لقد كان سبب تعاسته” عبارات تلتقطها آذاني كثيرا، لكن ما ثبت لي مؤخرا أن الإنسان من يفعل ذلك بنفسه، بثقته وبإعطاء مكانة لمن لا مكانة له، نبالغ جدا ونفرط في تقدير الآخر وننسى أن تقديرنا واجب أولا وأخيرا ودائما، وهذا كان معنى كلمات جدي؛ ألا نزيد عن الشيء وألا ننقص منه.

إن الوسطية والاعتدال هي المفتاح للمضي قدما، إن جل قرارتنا الصحيحة تكون مبنية على التوسط ولا شيء غيره. أن يبصر المرء الدنيا ويتأمل فيها باعتدال، أن يتمهل في خطواته، ألا يفرط في حزنه حتى يذبل وألا يكثر الضحك حتى يموت قلبه، أن يكون لين الطباع طورا، وأن تشتد صلابته تارة، فالإيجابية الزائدة مرهقة، والسلبية المتزايدة مدمرة.

لم أر وسيلة أنجع للوصول إلى أسمى ما تسمو له الذات، إلى أقصى مراتب النضج وإلى سكينة الروح وثباتها غير التوسط والاعتدال، وإن تزحزح المرء أحيانا، فلا بأس عليه.

1xbet casino siteleri bahis siteleri