ألا تتابع الأخبار يا أبريل؟

22

على حين غرة يفاجئنا أبريل بقدومه مرة أخرى، يأبى إلا أن يؤكد حضوره الغاصب، يأتي ليقول بأناة كبيرة بأنه عاد وقد حمل معه كما العادة عدّته السحرية التي تبرع في فك رباط ما التأم من جراح، فهي تملك من المهارة التي تجعلها تنسف كل ذلك المجهود الذي بذلته الأيام في تضليل الندوب وإخفائها، تبحث عن خيوط الذاكرة التي حاول الوقت تشبيكها لتبدو أقل وطأة، فيشرع في حل عُقدها، ويدفع بذلك الذاكرة إلى استرجاع صفائها، فتبدو الأحداث طازجة وكأنها للتو وقعت.

أبريل هذا مشاكس أشعث، بارع في الإفساد، يأتي على ما راكمته كل الشهور السابقة، نحسبه كبيرها عمرا، وكعادة الكبير يكون أحمقَ إخوانه، أو الأكثر جنونا واندفاعية، وحتى إذا تخلى عن كل هذا فهو يتمسك بشيء يجعله الأكثر غرابة. ومع غرابته هذه، فهو لا يخبط خبط عشواء، ولا يدع المجال للعشوائية، بل يتصرف وفق خطوات حوّلها إلى طقوس؛ إذ يراقب بتمعن كل تلك البهجة التي يحملها يناير، ثم الآمال التي تشع من أحضان فبراير، وكذا تلك الوعود التي يختم بها مارس حديثه في آخر أيامه، ثم ينتقي طرقه في إجهاض طرف الحياة الذي خلّفه تشبث الناس بحبل الأمل.

مقالات مرتبطة

يأتي ببراءة زائفة، صرت أعرفها لتوالي الكرة، يقرأ السلام ويدفعك للاطمئنان، يذكرك بأنه ينتمي إلى عائلة الأشهر الربيعية، حيث الخُضرة والرخاء، فلا شيء يبعث على القلق، بل على العكس؛ هو موسم لإعلان البهجة وإشهارها فرحا بالتزاوج، تزاوج كل شيء، ويقنعك أيضا على أنه موسم للتناسي والتغاضي واحتساء كل الشراب والتهام الطعام واقتحام السمر بكل شجاعة، ثم يغريك فيهمس في أذنه بأنه الوقت المناسب للتجرؤِ على الحب بإعلانه، فشرطةُ الأخلاق تكون هاهنا مكبلة، ويستعين في ذلك بنمو الزرع واخضرار الطبيعة وانخفاض درجة الحرارة لكي يخبرك بأنه حقا موسم الخروج من الجحور، جحورنا الداخلية وأخرى الخارجية.

وهكذا ينجح هذا المارد في إفشالك وإضعافك، عن طريق استغلال قوتك لصالحه، حيث يؤدي خضوعك وامتثالك؛ إلى تجردك من كل الأدرع التي عملت على تطويرها كي تحميك من نفسك الماضية، يدفعك إلى خلع ملابسك لتبدو ندوبك واضحة أكثر فتكون مضطرا لتبريرها، ويدفعك إلى تقيّئ كل تلك العقاقير التي تجرعتها لتخفيف الألم ومحوه، ثم تبدو على علتك الحقيقية. يحفزك إلى إعادة الحياة لكل ما مات من ماضيك، ويخبرك بأنك صرت أقوى لمعالجة ما عجزت عنه في السابق، فتمتثل وتقطع حبل الوقاية لتجد نفسك في ورطة؛ عاجزا عن التعامل مع جراحك التي لن تقدر على إخفائها من جديد.

لكن المشكلة تكمن في أن هذا اللعين لا يقف عند حد إحياء ما مات، بل ينجح في دفعك إلى الإلقاء بنفسك في فخاخ جديدة، فخ الحياة وفخ الحب وفخ الموت، يهيء كل الظروف لك التي تحفزك على خوض مقامرة الحب من جديد، مستعملا في ذلك آلياته الطلامسية، لكنك عندما تأتي على ذلك، يكون لزاما عليك التخلص من عوالق التجارب السابقة، فتكون قد خضت بالفعل في نبش جراح بعسرٍ التأمت، بالإضافة إلى مواجهة الفخ الجديد. وبهذه الطريقة ينجح هذا اللعين في انتزاعك منك ومن هدوئك، ويقحمك فيما أنت فارٌ منه، ثم يغيِّب كل طرق النجاة ويشرع في الإنتشاء بمعاناتك!

لكني حقا مستغرب، هل يعقل أن يأتي أبريل بكل هاته القساوة في وقت الطوارئ العالمية؟ ألم ير ما حمله سابقوه من الشهور للناس! لا بد وأنه قد لاحظ حجم المأساة التي جاءت بها الأشهر التي اعتادت أن تكون مصدرا للأمل والتفاؤل أو أن تكون أقل وطأة في أسوء الأحوال، لا بد وأنه وقف على حجم التدمير البارد الذي يجتاح العالم، ما الذي يطمع في تدميره إذن؟ ثم هل الدمار قابل للتدمير؟ وهل يكترث البعيد عن أناسه وأحبائه بل عن ذاته وعن حياته بشيء آخر؟! هل يعقل أن يكون قد بقي للناس ما يخسرونه بعد كل ما يقع؟ أم أنه لا يدري بعدُ ما يجري من أحداث في هذا العالم! لقد اجتاحتني حقا رغبة كبيرة في أن أسأله هذا السؤال؛ ألا تتابع الأخبار يا أبريل؟