بين الطفولة والكهولة مسار تحول غامض!

تبدأ الحياة بصرخة قوية يعلن فيها الكائن الحي عن لحظة وجوده، يوثقها، ويزكيها ويدافع عن كل فرصه المفترضة. لعله يقول ها أنا قد جئت، وها قد انضاف عنصر حي إليكم! مرحلة البداية لدى الإنسان مغرية بالتساؤل، وبقليل من الفضول نجد أنفسنا تائهين بين غرابة الولادة، والصراخ، والتنفس ونبضات القلب الأولى، ثم الكثير من الفوضى التي تؤسس لحياة ستبدأ؛ إنها مرحلة وجودية عظيمة، مهما كتب عنها ويكتب ستبقى عصية على الفهم والتوضيح.

يبدأ الإنسان حياته بالكثير من الغرابة؛ خلفيته المعرفية التي تتضمن كل المهارات الحياتية؛ تكاد تعادل الصفر، فهي لا ترقى إلى طرح أسئلة حول الطريقة التي يريد أن يحيا على هداها، باستثناء الخصائص البيولوجية التي لا مناص منها بحكم الفطرة. يقود الإنسان جهله بخصائص الوجود إلى التجربة الصماء العمياء؛ حيث ينتهج درب سابقيه من جماعته، يعيش نمطهم ويأكل طعامهم ويتعلم في مدارسهم، ويتقن لسانهم، ولا يحظى إلا بأنماط تفاعلاتهم، هو بذلك يعبر عن فشله، فشل في الاهتداء إلى طريق مُختار، فيتنازل للآخرين عن هذا الحق ويجعلهم “دليلا سياحيا” في رحلته، رحلة الحياة.

يستعمل الإنسان هذا الفشل لصالحه، فرغم أنه يُضمِر الكثير من العجز عن التقرير، إلا أنه يختزل أسرار استمرار الحياة البشرية وتطورها؛ فذلك الفشل الناتج عن الضعف هو ما يجعل الانسان يسلّم نفسه للجماعة، ويهب لها كل الحقوق في تسيير حياته، هو الذي يُقحمه مسار جماعته ويُكسبه نمطها ويدفعه نحو التفاعل والاستجابة ثم الإنتاج، ليضعه في النهاية أمام حتمية التحول!

إن التحول خاصية غائرة في عمق الطبيعة الإنسانية، فإذا أمكننا وصف طبيعة الإنسان لكان الوصف بأنها طبيعة متحوّلة؛ فهي لا تستقر على حال على امتداد مسار الزمن والمكان وفي أدق الجزئيات، فحتى في الحالة التي نعتقد فيها أننا على استقرار، الحالة التي نتواجد فيها الآن مثلا، نكون في تحول بطيء على مختلف الأوجه، وعلى المستوى الدقيق والعام، سواء كنا على علم بذلك أو لم نكن. إنها إذن نفس الخاصية التي ترافق الإنسان طوال مساره، تقوده وتوجهه، في ظل فشله في تدبير ذاته، وتجره من تجربة نحو أخرى، من اعتقاد بمبادئ نحو التخلي عنها والإيمان بنقضيها أحيانا. هي الخاصية التي لا تدع للثبات فرصة في التواجد، فحينما تُعجب بشيء وتتمنى بقاءه يكون قد بدأ في الفرار منك نحو الماضي وتكون مقبلا على ما هو آت، وبالتالي أنت منتقل من سابقك عبر ما يحضرك نحو ما هو آتيك، كل ذلك بطريقة ناعمة ولطيفة، لا تشعرك بفرق الزمن أو دهشة الجدِّة، وإنما تدفعك دفعا ذكيا لا تُفطنه إلا بعد ملاحظة الفرق الشاسع بين ما كنته وما أصبحت عليه، هذه ببساطة هي قوة التحول.

مقالات مرتبطة

أحياء وكفى!

الفهم عن الله

عندما تصاحب طفلك!

يستمد التحول قوته من الإنسان بكل تفاصيله وبكل ما يصنعه في المجال، فهو لا يعيش إلا معه وفيه، ينطلق منه ويعود إليه، ويمتد أثره إلى أدق تفاصيله وأعمها. التحول هو الذي يسحب الإنسان الصغير من مرحلة الطفولة ليعبر به مسارا مثقلا بالتجارب والخبرات ثم يقذف به إلى مرحلة الشيخوخة بكل ما تتضمنه من صعوبة مغلفة برداء الحكمة أحيانا. ورغم ذلك، فالإنسان يعيش استنادا إلى مبدأ التحول، يعتمده في كل مهاراته، أبرزها التعلم، فما التعلم إلا مسار من التحول، من اللامعرفة بالشيء نحو المعرفة به، كما أنه يغطي كل تفاعلات الإنسان، علاقته مع الآخر مثلا؛ إذ إن كل علاقة تمر من مرحلة لتصل إلى آخرى، تبدأ وتنتهي، إنها علاقة متحولة.

باستقراء مسار الإنسان يظهر بشكل جلي عمق التحول في واقع الحياة الإنسانية؛ إذ بالنظر مثلا إلى الخصائص النفسية، والبيولوجية والعاطفية للطفل حديث الولادة، وما تتعرض له من تغيرات بفعل مسار النمو؛ إذ تنتقل من مرحل الهشاشة إلى التوازن/اللاتوازن النفسي، ومن الرعونة إلى الاستقرار/اللااستقرار العاطفي، ومن الحاجة إلى القوة/الضعف البيولوجي. وبتأمل حياة الإنسان-الطفل بخصائصه الفسيولوجية الصغيرة (حجم شعره، وأطرافه، ولونه، وطبيعة حركاته ولغته…) ثم خصائصه النفسية/ العاطفية المرتبطة بالأم والمعتمدة عليها، وقارنتها مع خصائصه في مرحلة الطفولة، واليفاعة، والشباب ثم الكهولة، لكان عنوان هذا التأمل الطويل والممتع “مسار غريب من التحول”.

إن الإنسان يولد وهو على استعداد للتحول؛ ذلك أن حتى فعل ولادته هو فعل متحول، فهو يتحول من جوف الرحم إلى خارجه. ومع ذلك، فرحلة التحول هذه تحتاج إلى نهاية، تبدأ ببداية الحياة وتنتهي بنهايتها، تؤطرها مرحلتا الطفولة والشيخوخة، وتختصر أبرز الشهود على مظاهرها. يندفع الإنسان نحو الحياة برصيد من التحول، ما إن يستنفذه حتى تنتهي حياته، وكأنما الحياة عبارة عن “رصيد من التحول”. كما تشير نظرية “معدل الحياة Rate of living theory” إذ تؤكد أن للإنسان رصيد من الأكسجين، وكلما استنشق منه أكثر أو خفق قلبه بسرعة أكبر كلما اقترب من مرحلة نهايته، أي كلما “تحول” أكثر كلما قل رصيده فمات. وهو أمر يتقاطع مع ما جاءت به نظرية “الشيخوخة البيولوجية Wear and tear theory” والتي تشير إلى أن الإنسان يشيخ نتيجة لاستهلاكه لمواد غذائية غير صحية وتعرضه لعوامل بيئية غير سليمة، وهو ما يدمر الخلايا والأنسجة والأعضاء، فالإنسان طبيعة متحولة برصيد محدود من التحول، وكلما تقدم في مسار هذا التحول اقترب من نهايته. والاستهلاك هنا لا يخص فقط المواد الغذائية، وإنما كل استهلاك ملازم لتجربة في مسار التحول الكبير. فالعلاقات الخاصة مثلا هي استهلاك للعاطفة والأفكار، التي تحرق قدرا غير يسير من رصيد الإنسان من التحول وتجعله أقرب إلى الانتهاء، كذلك شأن كل التجارب الأخرى، مهنية كانت أو شخصية، هي سيرورة محدودة من الاستهلاك تنتهي بانقضاء رصيد التحول وفقدان “المناعة” ثم الزوال.

لقد أدرك الإنسان أنه ضعيف أمام خاصية التحول التي تسكنه، فأسلم لها نفسه، وتوقف عن مقاومتها منذ مراحله الأولى. لقد تفطن بعد تجارب كثيرة أن التحول جزء منه، بل يحتويه ويستوعبه، فلا يمكنه بأي حال أن يحارب شيئا منه، وبذلك وجب فقط مجاراة إيقاع هذا التحول وتقليل الخسائر ما أمكن ثم ضمان رحيل يُحفظ بعده شيء من الأثر، ثم رفع بعد ذلك شعار “إذا كان التحول قاعدة لا تُخرق، دعنا نطلب، على الأقل، عبورا لائقا.”

1xbet casino siteleri bahis siteleri