احذر فخ المثالية!

3

يتراءى لي أحيانا معدودات أنه لسوء حظ كبير، أنه من بين جميع الحقب والأزمان التي انقضت لم يتأتى لنا العيش إلا خلال اتعسها وأكثرها زيفا وسطحية، ناهيك عن عقبات الحياة ومصاعبها، كل من عاش هذا الزمن مكره على خوض عراك لامتناه مع ذاته ومبادئه، داخل دوامة ألاعيب وخدع مرعبة، تجبرنا وسائل التواصل الاجتماعي على تصديقها كتلك الحقنة الكبيرة التي تذب الرعب والفزع في نفوس أطفال المدرسة قبل تلقيها بداعي التلقيح.

ففلانة تحلق كطائر طليق هنا وهنا ليسنح لها التعرف على ثقافات وخوض تجارب مثيرة، والأخرى أعلنت عن زواجها ولا تكل الآن عن إظهار البذخ والرفاهية المزعومة التي تعيشها مع زوجها، أما فلان فلم يتكاسل يوما عن مشاركة صور فطوره الصباحي المتكامل ووجبة غذائه الشهي مع متابعيه، الغني منهم والفقير ، الممتلئ والخميص…

أما أنت يا من تقرأ أسطري تضيع متصفحا حيوات الآخرين من مقر عملك المرهق، أو ملتفا داخل بطانيتك الدافئة التي تفوح كسلا وخمولا، أو ربما من على مكتب دراستك الذي لم تفارقه منذ أيام لأنك مقبل على الاختبارات…أيقن يا صديقي أني أفطن ما قد يخالجك في غضون تلك الوهلة كل الفطنة وأسبر جرحك كمن عاشه من قبل…أن تؤمن بأن الحياة بهيجة مغرية للغير، بيد أنها قد تناست عدلها تجاهك أنت فقط، الكل يخوض تلك التجارب البهيجة التي خطها في عقله، كما لو بحوزته مصباح علاء الدين، أما أنت فغارق في همومك وكربك بعد أن تخبطت أياما بحثا عن السعادة منتظرا الغد دون أن تزيح عن مكانك، لعل شيئا يتغير.

لكن صدقني، الحقيقة ليست كذلك بتاتا، فالحياة تتفانى في توزيع حصة من الأحزان على كل منا وغرس الأشواك ووضع عقبات على طرقاتنا دون رحمة…الٱخرون جيدون في أكنان ٱهاتهم، وإظهار ما امتلأ من كؤوسهم فقط، لذا لا تتصل بصديق لتتشاركا ذنوب لعن الحياة وظروفها معا، وأيقن أنك أنت من تصنع نفسك، وأنك وحدك قادر على خط سبيلك، فإكراهك على خوض تجربة ما مهما بلغت درجة صعوبتها لا يعني عدم امتلاكك مفاتيح مجابهتها، وهنا يتباين الأنام. في هاته النقطة الصغيرة التي لا يعبث بها الكثير ولا يلقون لها بالا “مجابهة الظروف”.

“عندما لا تستطيع تغيير الظروف، غير نفسك لمجابهتها”: من أشهر أقوال الملاكم محمد علي كلاي -تغمده الله برحمته- والذي عرف بقوة شخصيته وكلماته قبل لكماته.. لكن ما لم يعرفه عنه الكثيرون أنه اكتشف جواهره الدفينة في الصراع والملاكمة بعد تعرضه للسرقة، نعم سرقت دراجته الأمر الذي لا يبدو لي هينا البتة بالنسبة لطفل في الثانية عشر من عمره…أتحدث عن السرقة المألوفة التي قد تبدو لمعظمكم ويلا وبلاء تصعب مجابهته.

فما أجمل قساوة الظروف إن كنت بفضلها ستترك بصمتك في مجال ما لتجبر الناس على تذكر إنجازاتك ونجاحاتك وتقديم خالص احترامهم لك على طبق من ذهب حتى بعد الممات.

لذا يا صديقي كن عنيدا متمردا كزهرة لوتس أزهرت وسط مستنقع وحل تغمره القذارة والدرن، فلا هي تلعن الظروف ولا هي تشتكي ازدهار مثيلاتها داخل صفاء ونقاوة لا متناهيين، بل تزهر في انفصال عن الوسط الذي تتواجد به، غير متأثرة بشوائبه ونواقصه بعبيرها الفواح وهيئتها الأخاذة وفوائدها في شتى المجالات، لتصبح أيقونة للصفاء والجمال لدى العديد من الحضارات.

لذا، لا تصدق كل ما تراه، فالٱخر ليس غبيا لدرجة إظهار نواقصه ونقط ضعفه…فذاك المقاول الذي لطالما أبهرك بنجاحاته وصفقاته مع شركات من مختلف أنحاء العالم، لم يشاركك إخفاقاته وأيام التعب والعمل دون كلل أو ملل بغية رسم صورة لا تشوبها شائبة، يذهلك بها الٱن، أما السيدة التي ذاع صيتها كجراحة متفانية في عملها متفوقة في مجالها تأكد أنها لا تملك حياة مثالية، بل هي بارعة في إخفاء هالاتها السوداء…رواسب تبقت من ليالي السهر على عشرات الكتب وٱلاف المعلومات وأيام متوالية العمل المرهق على أنغام توبيخات أساتذتها بأقسام المشافي التي مرت بها، لم تشارك على صفحتها أول مريض وافته المنية على طاولتها ولا ٱخر مرة داعبت شلالات دماء مريضها وجنتيها بغتة أثناء العملية.

يؤمن كثيرون بأن الإنسان الناجح هو ذاك الذي يولد بملعقة من ذهب في فاهه. بيد أن الأمر ليس كذلك، فكون ملعقته من ذهب لا يعني أن صحنه لا يخفي جرعة سم، فأغنى أغنياء العالم يملكون من العقبات والمشاكل ما لا أستطيع أنا وأنت وكثيرون غيرنا مجابهته…

متى ما تناهت كلمة ظروف إلى مسامعي تخطر ببالي إحدى القصص، لا أدرك مدى مصداقيتها…مفادها أن رجلا سكيرا كان يشرب حد الثمالة ليصبح بغاية السوء رزق بتوأم ذكر…أصبح توأمه شابين يافعين، صار أحدهما غاية في النجاح، ذا شخصية رائعة وخصال حميدة والغريب في الأمر أنه لم يلمس قط قدحا من الشراب، عندما سئل عن سبب تفوقه قال: رأيت أبي. أما الآخر فبات نسخة مصغرة من والده سيء الطباع يرتوي شرابا حد الثمالة ثم يقبل على تدمير ما حوله وإيذاء أقاربه، لما سئل هو الأخر عن سبب تصرفه هذا رد قائلا: رأيت أبي.

الأب نفسه والظروف نفسها، غير أن ما جعلهما يسلكان طريقين متباينيين تماما أن لكل منهما منظوره وطريقته الخاصة لرؤية الأشياء وحل الأمور.

لذا أيقن أن الظروف بريئة من اتهاماتهم فليست هي ما يجعل الإنسان مقعدا، إنما ضعف الهمة والافتقار إلى الحكمة للتعامل معها، وكن دائما على بال أنه لولا قساوة الظروف لما تحسسنا نشوة الفوز ولما فطنا عظم الأمر الذي تغلبنا عليه وصعوبة التحدي الذي خضناه فغادرناه ظافرين.

فليس على الحياة أن تكون سهلة ومثالية، فلو أراد الله لها ذلك لأحيانا في الجنة.