اخل بنفسك يا يائس

عزيزي القارئ اليائس، لا بد لك من تجربة الخلوة بالنفس، فعلى عكس ما يعتقد البعض أن للخلوة بالنفس أضرارا سلبية وأنها دليل على الاكتئاب، فقد كشفت الدراسات العلمية أن الانعزال بشكل فردي للقليل من الوقت له من الفوائد الصحية والنفسية ما لا يعد ولا يحصى، كما أنه في حقيقة الأمر لم آت لأكلمك عن أنني مرشدة أو طبيبة نفسية، وإنما جئت لأرشدك كصديقة لك لبلوغ طريق يداوي الجرح كما لو أنه تضمد بالإبريسم.

الخلوة جميلة حيث اللقاء مع الذات وإعادة تصفيف للأفكار على أرففها والبحث عن آفاق جديدة لها؛ فهي دواء لعلل أنهكت ذواتنا وطريقا لبلوغ السكينة وتهذيب النفوس واستعادة للوضوح والتركيز في أمور حيواتنا من جديد، فالخلوة لا تتطلب منك بالضرورة استنزاف أربعين يوما من أيامك وتأجيل أعمالك للسفر لمنتجع مختص، بل يمكن القيام بها في منزلك.

فكم من الجميل أن يخلو كل شخص بنفسه في ركن محدد ببيته، يحتسي كوب قهوة دون سكر على غير عادته، يتلذذ مع مرارته مرارة أيامه السابقة، يبكي بشدة وكأن دموعه غيث جاء ليغسل روحه من ما قد مر، يمسح عن نفسه غبار الماضي، يضمد جروحا وأثار جروح كان قد أصيب بها مع كل خطوة في الماضي ومع كل درس اكتسبه، فترك له ندبة كهدية تذكارية لعلها تنفع في القادم وتكون إرشادا له كإشارة عن طريق مسافر تخبره بأن يخفف السرعة وينتبه لمرور أشخاص بمكان عام فيمشي بحذر.

يعاقب نفسه ويفخر بها، يصرخ فيها ويسْكِت نحيبها، يسقِط دمعها ويجففه عنها، يحذرها من الجميع ويوصيها بأن تكون رحيمة به، رؤوفة به أكثر من غيره، يحذرها من قسوة الأنا الآخر، الأنا التي تمثل من ليس أناه ويوقن من أن الثقة لا يجب أن تعطى إلا لكيانه إلا للأنا الخاصة به، لشخصيته الأكثر اعتدالا بين مكوناتها فيه، يشحنها بحب الحياة وبجرعات من الطاقة الإيجابية ليستمر بعيدا عن زحام وصرخات الماضي المؤلمة.

كن على يقين يا صديقي أنك ما خسرت نفسك بخسران أحباب وأصدقاء سقطوا منك تباعا كأوراق الشجر، فالشجر وإن تساقط ورقه ما ضره ذلك، فبنفسه فقط يزهر مرة أخرى. واصبر على ما أصابك دائما فالحياة فصول أربعة من خريف حزين يذيقك معه علقم الأيام، إلى شتاء باك تنتحب فيه على فقد نفسك، إلى ربيع مزهر ينير كونك ويعيد إليك روحك بجمع شظايا ما كسر منك، إلى صيف جاف يصيبك معه بالجفاف النفسي.

فاصبر يا رفيقي، فإنه ما من حياة دون ألم وما من ألم باقٍ، فالحياة قارب صغير من صنع الخالق يترنح مجدافاه بين الخير والشر، بين المسرات والأحزان، بين السلم والحرب، فكن على يقين أن لا حزن ولا ألم يدومان وأن الغد دائما سيكون أجمل، فقط صبرا فلم يكن الله خالقا سنة التدرج في الحياة عبثا، إذ لا أحد يزرع اليوم ويحصد غدا، فاخلُ بنفسك وكن أمانك فإنه لا خير في البشر ولكن الخير كله في خالقهم.

أنا لن أخبرك بأن تكبح دموعك وبأن لا شيء يستحق البكاء وبأن الحياة وردية مزهرة، بل على العكس يا صديقي، أنا أطلب منك أن تبكي لتخرج المشاعر المكبوتة بداخلك وتحرر التوتر الذي يكمن داخل جسدك إلى خارجه، ابك يا رفيقي فما خلقت الدموع والتنهيدات إلا لأنه ليس كل شيء يقال، لكن افعل لنفسك، ابك لنفسك واشكُ لربك ولا تشْكُ لأحد كان من كان، ودعنا نقم أنا وأنت بمعادلة رياضية بنكهة أدبية، أنت اليائس حالا، ذهبت لشخص تشكو له، ما عسى رده يكون غير “أعانك الله”، دعاء ما خرج أبدا من قلبه لك، ولن يشفي غليلك ولن يغير من الأمر شيئا أبدا. إذن لم لا تختصر المسألة من البداية وتذهب للمعين مباشرة ليعينك، لم لا تترك أمر أن يدعو لك أحد إلهك وتدعوه بنفسك، لم تجعل الآخر واسطة لك مع ربك، لم لا تخاطب الجبار ليجبر ما كسر بداخلك بنفسك؟! لم لا تخاطب السلام أن ينشر بقلبك سلاما؟! لم لا تخاطب الوهاب أن يهبك الأمان؟! لم لا تخاطب البصير المبصر بحالك والذي بيده الفرج ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه؟! لم لا تخلو بربك، تشكو له أمرك ويأنس بحديثك إياه قلبك، يضمد جراحك ويصفو حالك كما لو أن سماء بجمالها في داخلك.

وأخيرا يا صديقي، تعلم أن تجعل الله رفيقك، أن تعيش ضعفك أمامه وتخرج للناس قويا، فحتى لو اجتمع الكل على مواساتك لن تكون مواساتهم بقدر قدرة القادر على ما لا يقدر أن يريح قلبك ويزيح همك، فإن شكوت لصديق تذكر أنه مهما طال الأمد سيصير عدوا وسيصفعك بضعفك ويتخذه سلاحا مرا ضدك، وكن أكيدا أن بعد خلوتك هذه بنفسك مع ربك، لن تنتهي خلوتك إلا وبرد قلبك وسلمت روحك كما برد كوب القهوة بيديك.